جديد المواضيع

 
 



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25-03-2011, 03:23 PM   #1
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية






أبو الدرداء وايران كما رأيتها.!؟ - تجربة فريدة ومعايشة 10 سنوات في ظل دولة ولاية الولي الفقيه - الحلقة الاولى
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية.
وإلى الشاب عمر الذي أغتيل على الهوية.
إلى الذين هجروا وأخرجوا من ديارهم بغير حق ألا أن يقولوا ربنا الله.
إلى الثكالى والأرامل واليتامى والمغيبين.
إلى كل الذين يريدون معرفة حقيقة الفرس.


أهدي هذه الحلقات.

الجزء الأول:

لا يمكن لأحد من شيعة العراق أن ينكر حبه للايرانيين، فهم بالاضافة الى أنهم شيعة العراق أبناء طائفة واحدة ، فأن الايرانيين يمارسون وبكل الوسائل ومنذ آلاف السنين مساعي السيطرة على عقول ما أمكن من العراقيين كمدخل للسيطرة على مقدراتهم، والهيمنة على بلدهم العراق الذي لا يفتأ الفرس صغارا وكبارا يعتبرونه جزء مقتطع من أمبراطوريتهم الفارسية القديمة ولم يدخروا وسعا للنيل من العراق أرضا وشعبا وتأريخا ورموزا وبكل ما أوتوا من قوة، بالأضافة الى حقدهم وكيدهم للاسلام والمسلمين بشكل عام.

ان الزمن الذي يمضي دون أن تسمع فيه قرقعة السلاح على جبهات القتال بين العرب والفرس فأنه تجري فيه حرب ضروس أعتى وأخطر من حروب السيف والبندقية ومخطيء من يظن أن الحرب قد وضعت أوزارها بين العرب والفرس في يوم من الأيام، فالحرب الفكرية والاعلامية والتضليلية والتبشيرية من قبل الفرس قائمة على قدم وساق، وهي أشد فتكا وأيذاءا ونيلا من العراقيين خاصة، ولكنها تجري في سكون وهوادة وبدون قرقعة أو ضجيج.

وقد ورثت أنا شخصيا هذا الحب للايرانيين من العائلة والعشيرة وأبناء الطائفة، وكنت أشعر بأن قوة في نفسي كانت تدفعني، وشوقا كبيرا الى ايران والذي عرفت في ما بعد أنه ناشيء عن الكيفية التي يصوغ بها الفرس نفوس أتباعهم في العراق وغيره من المغرر بهم وبطريقة حاذقة وداهية لم تفطن لها معظم الحكومات العراقية والعربية المتعاقبة ان لم تكن جميعها.

أن القيادة السياسية ونظام الدولة هو في غاية الأهمية والخطورة، وأن الشعوب هي التي تتحمل مسؤولية الاصلاح أو الافساد الذي تمارسه الحكومات، ولذلك قيل: كيفما تكونوا يولّ عليكم ، ولكننا في البلدان العربية تعودنا أن نفتح الراديو صباحا لنستمع الى بيان جديد يعلن (أنهاء الطغمة الفاسدة) وأقامة (نظام العدل والمساواة) ثم نستهلك سنين شبابنا بانتظار معرفة ما سيقدمه لنا (النظام التحرري الجديد)، أو نشارك رغبة منا أو على خوف في مسرحية بائسة يسمونها الانتخابات.

وهكذا لم تحظ قضية السنة والشيعة في العراق بالاهتمام والمعالجة الموضوعية والعلمية من قبل الحكومات المتعاقبة، فلم تشغل نفسها بهذا الموضوع بقدر انشغالها ببسط نفوذها وأحكام سيطرتها على السلطة، بل ساهمت وبعكس ما تدعي أو تعتقد بتنامي الفكر الطائفي وتعميق الرغبة في التمرد.

ان الفرس ينطلقون في تعاملهم مع العرب بعد أن أصبح الاسلام عقيدتهم (العرب) الأساسية من منطلق البيت الشعري: (لكل شيء آفة من جنسه....حتى الحديد سطى عليه المبرد)، فهم يضربون الدين بالدين ، وهذا أخطر أسلوب في الصراع، ولكن العرب والمسلمين لم يقدّروا حتى هذه اللحظة حجم الخطر الذي يفتك بهم من جهة الشرق.

كانت نشأتي في أواخر الستينات في حي شعبي ببغداد، وفي عائلة شيعية كمعظم سكان المحلة، وهي عائلة فقيرة وبسيطة جدا، وكان والدي يرحمه الله متدينا وكان يعلمنا الصلاة والصيام وأصول الدين وفروعه وكل ما يعتقد أنه صالح ويصب في تأدية رسالته في تربية أبناء صالحين.

كانت في بيتنا صورة كبيرة معلقة على الحائط لمحسن الطباطبائي الحكيم، وكان والداي يحيطانها بالاجلال والتقدير الى حد التقديس، بالاضافة الى عدة صور أخرى منها صورة تمثل الأئمة الأتني عشر وكل منهم على رأسه هالة بيضاء فاقعة، وصورة تمثل الأمام علي {كرم الله وجهه}، وأخرى تمثل حالات العقاب التي نفذها الوالي المختار الثقفي بقتلة الأمام الحسين {رضي الله عنه}، وقد علمت في ما بعد أن كل هذه الصور قد رسمت وطبعت في ايران ما عدا صورة محسن (الحكيم) التي كانت قد طبعت في النجف الشريف. لم يكن والداي البسيطان يبتدعان أفكارا أو مفاهيم دينية، ولكنهما ورثا وأورثا لنا تلك المفاهيم، والأنسان بطبيعة الحال ابن العائلة والبيئة والمحيط.

لم نكن في ذلك الوقت وكما هو الحال في عموم العراق نشعر بالحقد أو الكراهية تجاه السنة أو غيرهم من الشرائح، ولكن هذا لا يعني أننا مرتاحون أو منسجمون تماما من الناحية الفكرية أو العقدية معهم، ولكن وكما كان يشيع كثيرا ذلك القول: "عيسى بدينه وموسى بدينه" فالمهم أننا عراقيون.

كان جيراننا والحائط على الحائط من أبناء السنة، وكنا نتبادل الزيارات والهدايا ونتشارك في الأفراح والأتراح، وكانوا عائلة متدينة وعلى درجة من الورع والتدين وحب الرسول {صلى الله عليه وسلم} وكنت أشعر في نفسي وقبل أن تترسخ فيها الشوائب والفايروسات المرضية بأن تعاملهم مع الدين هو بطريقة (مثقفة) أو مهيبة، فلا يحلفون كثيرا وأذا حلفوا فأنهم يحلفون بالله تعالى وحده، ولكنني كنت أبرر في نفسي ذلك بأنهم وكما تعلمت من أبناء طائفتي، أو خلسة في الحسينيات لا يحبون آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلما أفسر أي تصرف لهم في ما يصب في هذه النظرة التي تكونت في نفسي تجاههم بأعتبارهم سنة، فحتى صلاتهم وصيامهم كنت أعتقد أنه مجرد نكاية فينا نحن الشيعة أو من باب الغيرة أو شيء من هذا القبيل.

ولكن القيم العربية والعادات العراقية كان لها باع طويل، وكانت تحد كثيرا من مظاهر الخلاف والاختلاف، كما أن الأنتماء النفسي والفكري الشيعي الذي كنت أحمله هو عبارة عن عجينة من المواد المتفجرة يمكن أن يلوكها الصغير بين فكيه ما لم تتهيأ لها بعد عوامل الفرقعة والأنـفجار.

وأذكر دائما عندما كان والدي وجارنا الشيخ يتندران حيث كان والدي يقول له أنتم (السنّة) أهل الذيول، والشيخ يقول لوالدي أنتم (الشيعة) البتران، وهما يتضاحكان، ولم يكن يعلم أي منهما أن هذا المزاح سيتحول في يوم من الأيام ألى تقاتل على الأسم والهوية.

ولشدة أنعدام الشعور بالتفرقة الأثنية أو المذهبية في العراق آنذاك فقد سألت يوما معلمي في المدرسة الأبتدائية (وقد عرفت عندما كبرت أنه من أهل السنّة)، سألته كيف أستطاع الراوي في واقعة كربلاء أن يحسب عدد القتلى من الكفار عندما يبارزهم الأمام الحسين وأصحابه {رضي الله عنهم}؟ وقد شرح لي معلمي (يرحمه الله) الجواب بكل لطف وبدون أن يخدش مشاعر التلميذ البريء بأن الحسين وأصحابه {عليهم السلام} كانوا شجعان بينما كان الكفار (خوافين) وأن الواحد والأثنان لا يؤثران في العدد.

والحقيقة أن الفكر العدائي الذي نحمله كشيعة كان موجودا على الرفوف في زوايا النفوس التي كان يتغلب عليها الشعور بالعروبة والمواطنة والعراقية، فلم يطفو على السطح كما يحدث الآن، ولم تكن تغذيه كما هو الحال الآن جهات تمتلك القوة والقرار. كما أن قضية الصراع لم يكن لها ما يبررها على الأرض، فمفردات الحياة اليومية كانت تدور ما بين العمل والدراسة والسفر وزيارة الأقارب والمقهى والتلفزيون والقراءة والرياضة وغيرها الكثير. ولكنها كانت موجودة في خبايا النفوس من أبناء الشيعة، أبناء الشيعة وليس سواهم، ولكنهم قد لا يشعرون، أو لا يعلمون مؤدى ومورد ما وجدوا أنفسهم عليه، ولكنهم ولدوا وتربوا على هذه المفاهيم.

كان في بيتنا مذياع كبير الحجم يعمل على بطارية واحدة تزن حوالي الكيلوين غرام، وكنا كل ليلة في رمضان بعد الأفطار نتحلق حول الراديو بصمت "وخشوع" لنستمع ألى "دعاء الأفتتاح" من على أذاعة "عبادان صدى ايران" بصوت القاريء الأيراني طجواد ذبيحيط وهو يقرأ الدعاء بطريقته الأيرانية، وسنة بعد سنة صرت أحفظ هذا الدعاء وأقرأه بنفس الطريقة.

وفي أيام عاشوراء كانت تلك المدينة الصغيرة تعج بمكبرات الصوت التي تذيع "اللطميات والقراءات " وتتشح بالسواد وتنتشر الأعلام الملونة التي يغلب عليها السواد على سطوح المنازل والمساجد (وكانت كلها تقريبا مساجد شيعية)، ألى المواكب واللطم على الصدور ومجالس العزاء حتى تمثيل واقعة الطف "التشابيه" في يوم العاشر من محرم.

كانت كل هذه المظاهر تصب في فكرة واحدة وهي أن الأمام الحسين {رضي الله عنه} قد قتل مظلوما وأننا (شيعته) نشعر بالحيف والأسف أننا لم نشارك معه في القتال ولذلك فنحن نجلد أنفسنا شعورا منا بالأسف، وننتظر يوما نثأر فيه من قتلته الذين لا تتجه بوصلة الأتهام ألا الى قوم لا يبعدون عن هؤلاء السنة.

لقد تم توضيف فكرة قتل الأمام الحسين {رضي الله عنه} لأذكاء الشعور بالظلم والأضطهاد والتمرد وأعتبار أن السنة هم المسؤولون عن ما حصل في كربلاء. وقد حجبت كل الجوانب المشرقة والبهيجة في هذه الشخصية الفريدة، وكأنه ولد من هنا وقتل من هنا ! فلا يذكر الشيعة ولا يعلمون أي شيء عنه سوى ما حدث في يوم عاشوراء ألا النزر اليسير لأن تلك الجوانب الأخرى لا تصب في مجرى أذكاء الصراع ولا يخدم فكرهم التضليلي وهدفهم في النيل من الأسلام والمسلمين" والحديث هنا عن أساطين المكر والدهاء من أرباب الفكر الدخيل وليس العامة المتلقون".

وكذا الحال في بقية آل الرسول {صلى الله عليه وآله وسلم} حتى أن من لم يقتل (بضم الياء) منهم فقد دبّر له علماء الشيعة قتلة يتفطر عند سماعها الصخر ويذوب الحديد، أو يبالغ في وصفها وتجسيدها بشكل تعجز عن أنتاجه أكبر شركات هوليوود.

وهكذا تشربت في نفوسنا وعقولنا نظرة سوداوية للدين والحياة والمجتمع، وثقافة البكاء واللعن والشعور بالاضطهاد والتمرد من أجل التمرد فقط حتى لو كان يحكمنا الأمام الحسين {رضي الله عنه} نفسه، وسنقابله باللطم والعويل حتى اذا بعثنا الله ورأيناه في جنة الفردوس الأعلى.!؟

أن تأثير الدين "بحسب طريقة المتلقي" في النفس البشرية هو تماما كتأثير العناصر الكيماوية المعروفة في الطبيعة، فكلما كان هذا العنصر نقيا ومنسجما في تفاعله مع النفس البشرية بالكيفية التي أرادها الله تعالى، وكلما ازدادت نقاوته ونفاسته كلما أعطى نتيجة ايجابية في تسيير وتوجيه تفاعل النفس مع الناس والمحيط بصورة مستقرة ومطمئنة وواثقة.
وكلما كان هذا العنصر رديئا أو خسيسا كلما أنشأ نفسا فارغة التركيب، خاوية من كل عوامل الخير والأستقرار والصلاح.

والى اللقاء في الجزء الثاني
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته












نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:25 PM   #2
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

الحلقة الثانية:لم تكن في فلسفة المعتقد الذي وجدت نفسي انتمي اليه وأشب عليه أية قاعدة هادئة نقية أو مستقرة تعالج الميول
الدينية الفطرية المتنامية في نفسي كأي أنسان يولد في هذه الحياة، فسماحة الدين الذي بدأت أتعلم أبجدياته الأولى في دروس التربية الدينية في مدرستي الأاتدائية والتي تتوق النفوس بفطرتها الربانية الى التفاعل الطبيعي معها قد تحولت في نفسي الى غشاوة من الركام الأسود والسخام الذي بدأ يغلف تلك الروح البريئة التي تحبو حبوا في فهم معالم الكون والطبيعة. وتحولت أحرف الهجاء الأولى من الدين الاسلامي الحنيف الى مفردات قاتمة تتمحور حول الثأر والحاكم الظالم، والحق المستلب، والمؤامرة التي بدأت من (السقيفة)، والأصحاب الخائنون

الشخصيات السامية والخيرة التي أتعلم عنها في دروس التربية الدينية والتأريخ والقراءة وانا أجلس على مقاعد الدراسة وأشعر بالفخر بأنني أنتمي أليها، تتشوه صورتها وتشوب معانيها ودلالاتها في ذهني عبر كلمات تخترق مسامعي وقلبي ووجداني كالرصاص وأنا أسمعها في البيت أو في أحاديث المعارف من أبناء جلدتي أو في "الحسينيات" التي بدأت أفهم صورة الدين فقط من خلالها وما يقام فيها من (شعائر) أو طقوس.

الخلفاء الراشدون {رضي الله عنهم} يتآمرون على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ويخالفون وصيته ويسلبون الخلافة من هذا القديس الذي تملأ صوره جدران "الحسينية" مع صور تمثل "قديسين آخرين وتحيط برؤوسهم الهالات البيضاء الفاقعة والذين تعلمت وأنا في ذلك السن الصغير أن أسمائهم علي بن أبي طالب وآل البيت المظلومين المضطهدين "المشردين عن الأوطان" وأن كل ما عداهم هو كافر ومنافق وزنديق.!؟

أبو بكر الصديق {رضي الله عنه} كان قد أخرج رجله خلسة من باب الغار وهو مع النبي {صلى الله عليه وسلم} ليمكّن المشركين من أكتشاف مكانهما..!؟، وعمر بن الخطاب {رضي الله عنه} قد أحرق بيت فاطمة الزهراء {رضي الله عنها} وعصرها خلف باب دارها وأسقط جنينها (المحسن) الذي لو ولد لرفع الله العقاب يوم القيامة ولدخل المسلمون كلهم ألى الجنة لولا "عمر" هذا وعصابته.!؟.

عثمان بن عفان {رضي الله عنه} لم يكن يعلم من أمر الخلافة شيء سوى أنه يحوك الدسائس والمؤامرات للمسلمين، ومن أصحاب (السقيفة) الكافرون الخائنون!!؟.خالد بن الوليد لم يسلم في حياته كغيره من أعداء (آل البيت) وقد قتل رجلا بريئا من أجل أن يتزوج أمرأته. صلاح الدين الأيوبي كان واحدا من هؤلاء "النواصب" و لم يقم بشيء سوى محاربة (الدولة الأسلامية الفاطمية).!؟

هارون الرشيد كان فاسقا داعرا وطاغية ومتكبرا ومغترا بالدنيا، وكان يتوكأ عندما يصعد الى عرش الخلافة وهو يمسك بأثدية الجواري الغانيات.!؟ - حاشاه فهو كان سنة يحج وسنة يشارك في التوحات الاسلامية.

أبو جعفر المنصور وأسمه المنصور الدوانيقي لشدة بخله وحبه للمال، كان ماجنا كغيره من بني العباس الذين أشاعوا الفساد وحاربوا آل البيت وضيقوا عليهم وقتلوهم وشردوهم مع كل من تبعهم من "أسلافنا" نحن الذين نجلس الآن في هذه المجالس الحسينية.!؟

الخلفاء النواصب - كما يطلقون عليهم - وكل من جاء بعدهم في الدولة الأموية والدولة العباسية كلهم كفرة وملحدون وفاسقون حاربوا الله ورسوله {صلى الله عليه وسلم} وناصبوا العداء لآل بيته وحرفوا الاسلام عن منهجه وطريقه الصحيح.
بل حتى جبريل {سلام الله عليه} ذلك الملك الصالح وناقل الوحي فهو عندنا "الشيعة" خائنان وقد بعثه الله تعالى بالرسالة والنبوة الى علي بن أبي طالب {رضي الله عنه} ولكنه خان الأمانة، فلم يغضب الله تعالى مما فعله جبريل فقد قرر الله أن يعطي لعلي وذريته أفضل من تلك النبوة وتلك الرسالة التي لم يوصلها أليه جبريل، ألا وهي "الأمامة" التي كان يحلم بها كل الأنبياء ومنهم أبراهيم {عليه السلام} الذي كان يتوسل الى الله تعالى بعد أن جعله نبيا أن يجعله للمتقين "أماما".!؟

وهكذا فنحن المسلمون العرب أبناء أمة كافرة ومتآمرة، وهذا الدين الذي يدين به هؤلاء العرب "النواصب" ما هو ألا دين منحرف، وقرآنهم منحرف.!؟ وأن الدين الحقيقي والأسلام الحقيقي هو الذي سيظهره أمام العصر والزمان والحين والأوان ذو الحجة والبرهان، سليل آل البيت الذين أنتجبهم الله تعالى من ذرية الحسين {رضي الله عنه} من أبنة كسرى "ذات النهد الواحد" التي بشر بها النبي {صلى الله عليه وسلم} الأمام الحسين {رضي الله عنه} بالزواج منها، ذلك الأمام الغائب المتخفي من شر هؤلاء النواصب الكافرون.

من الأمور التي تدعو الى التساؤل " وهذا التسائل أطرحه اليوم وليس بالأمس" هو أن الشيعة لم ينالوا من المغول أوالتتار أوالمجوس أو الصليبيين أو اليهود مثلما نالوا من الاسلام والمسلمين، فيما كانوا سندا وعونا لكل غاز ومعتد على بلاد المسلمين. كما أنهم أنبروا للأمة الأسلامية بكل رموزها وتأريخها وفتوحاتها طعنا وقدحا ولعنا وسبا وشتما وتكفيرا وتفسيقا وتشكيكا، ولم يسلم من شرهم من المسلمين من أحد.!؟

وبالأستناد لما تقدم فنحن الشيعة نشعر بأننا جزء من أمة غائبة عن الوجود، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون من بين هؤلاء العرب النواصب، وأن الذين نتعايش معهم من أهل السنّة أنما هم قتلة أئمتنا وسالبي حقوقنا وناهبي ثرواتنا وعلينا أن نسايرهم ألى أن يأتي اليوم الذي يظهر فيه أمامنا المهدي ليخلصنا من جور هذه الأمة الظالمة ويقيم دولة العدل الألهي.!؟

أننا نقبل الدين وتعاليمه وأصوله وفروعه من أي كان ما عدا هؤلاء العرب. !؟ وليس من قوم على هذه الأرض يتبنون ديننا الاسلامي الصحيح ويدافعون عن حق أئئمتنا المستلب غير هؤلاء الايرانيين " شيعة آل البيت" والذين يسيرون على نهجهم من الذين من الله عليهم بنعمة "التقليد" لهؤلاء الأيرانيين.!!
وما البرنامج النووي الأيراني اليوم الا لامتلاك السلاح النووي الذي سوف يحارب به أمامنا المهدي هؤلاء النواصب "الوهابيين والسلفيين" من سعوديين و يمنيين وكويتيين ومصريين.

فنحن الشيعة نعرف أبعاد هذا البرنامج وأهدافه (الكونية) ولكننا من باب (التقية) نقول خلاف الحقيقة وهذا عندنا شيء شرعي وركن من أركان الدين الذي يمكننا من خلاله أن لا نطلع أعدائنا أعداء (آل البيت) على أسرار طائفتنا المظلومة. إننا شيعة العراق نشعر ونعتقد بأن أرض العراق التي نمشي عليها فأنها تحت كل شبر منها يدفن سيد أو أمام من آل البيت قتله الحجاج أو المنصور أو يزيد أو عمر بن الخطاب، وهكذا فأن (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء) .. فكيف نحرص أو ندافع عن أرض أستلبها أعدائنا ليتحكموا في رقابنا؟!.
أن عيوننا تتطلع نحو ايران، فهؤلاء هم المسلمون الحقيقيون الذين يحملون مأساتنا وقضيتنا وصراع وجودنا.
لقد كانت الثورة الايرانية عام 1979 بمثابة الغيث الذي هطل على قلوب الشيعة في العراق، فصار الكل يتابع أخبارها سرا عن طريق المذياع، وصور الخميني قد علّقت على جدران القلوب عندما تعذّر تعليقها على جدران المنازل. وأنتشرت بين أوساطنا الأشاعات بأن الخميني هو الذي سيسلم الراية ألى الأمام المهدي، وكثر الحديث عن رواية للأمام جعفر الصادق {رحمه الله} بأنه قال: يخرج من قم رجل يقيم نواة دولتنا ويسلم الراية ألى رجل من ولد علي يقيم دولة العدل الألهي "أو هكذا المعنى". وكل الذين نقلوا لي هذه الرواية يؤكدون على أمارة الخميني والتأكيد على مدينة قم الأيرانية بقولهم بالطريقة العراقية: (يطلع من قم ها).!؟

رأيت الكثير من أصدقائي الشيعة من يتداول كتب تعلم اللغة الفارسية آنذاك، وقد تعلمت أنا بعض الجمل والكلمات والأرقام قبل أن أتعلم معظمها بعد هجرتي الى ايران.. قال لي أحد المبشرين بالثورة الأيرانية وكان زميل دراسة ، متفاخرا ومادحا بأن الخميني اذا ما سيطر على العراق فأن اللغة العربية ستكون اللغة الثانية مباشرة بعد اللغة الفارسية، وقد أستخدم المتحدث يده ولسانه في التعبير وهو يؤكد على كلمة "مباشرة".

كنا نستمع الى الأذاعة الأيرانية بشكل يومي تقريبا (وبسرية تامة طبعا) منذ بداية الثورة الأيرانية والى انتهاء الحرب، وقد خصصت كل المحطات الأيرانية أقساما للبث الموجه للعراق خاصة وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، وكلها تصب في التحريض على الثورة بوجه (النظام العراقي) كإمتداد للثورة التي حدثت في ايران، ومن الحلقات التي أذكرها في أحد برامجها (الجهادية) حلقة في تعليم كيفية صناعة قنبلة المولوتوف.!؟

وعندما بدأت الحرب الأيرانية-العراقية كنت متحمسا كغيري من الشيعة لاحتلال الأيرانيين للعراق، وقد بقيت أراوح ما أمكنني ذلك في مقاعد الدراسة حتى أتأخر عن أكمال دراستي والألتحاق بالخدمة العسكرية، ليس خوفا من القتل في الجبهة ولكن خشية أن أقاتل الجنود الأيرانيين المحررين.
وعندما كانت تسقط صواريخ الأيرانيين أو تقصف طائراتهم الحربية بغداد فقد كنت أكبّر الله وأشعر بالغبطة والنشوة، فهذه الصواريخ كانت في نظري صواريخ آل البيت الذين لم يشهد العراق أو العالم حكومة لهم ألى الآن "وقت الحدث" غير (الجمهورية الأسلامية الأيرانية).!؟
كنت أبكي وأتألم عندما أرى قتلى الأيرانيين في التلفزيون، ومرة قال لي أحد المقربين: ألا تشاهد أن جثث الجنود الأيرانيين التي تظهر في التلفزيون لا يحط عليها الذباب؟!.

وكنت أحتفظ في البيت ببذلة أحد الجنود الأيرانيين والتي أحضرها أخي من الجبهة والذي كان يقاتل الأيرانيين على مضض ويتحاشى قتالهم ما أمكنه ذلك، وقد وضعت تلك البذلة العسكرية في مكان سري وقد كنا نتبرك بوجودها في البيت، وعندما كنت أدعوا الله تعالى في بعض الأمور فقد كنت أدعوه والبذلة بين يدي كسبب في ضمان أستجابة الدعاء.!!؟
لم أشعر يوما بالخيانة، بل العكس على ذلك فقد كنت أشعر بالوفاء للرسول {صلى الله عليه وآله} وآل بيته الذين (أستلب حقهم أجداد صدام حسين "يرحمه الله" وأسلاف السنّة.

أنتهت الحرب، البعض يشعر بالأحباط، والآخر يحاول أيجاد تفسيرات مرضية للنفوس، كان أهمها أن الخميني هو أدرى بمصلحة الشيعة وهو الذي يعرف الأسرار الألهية. وقد تكون هنالك حروب وحروب.
في يوم من أيام صيف عام 1994 تعرفت على أحد الأشخاص من الشيعة، وهو من أهالي النجف ويدعي بأنه "من السادة" ويسكن في بغداد، وبعد أن توطدت علاقتي به وتبادلنا الثقة، وتعرفنا على ميول أحدنا الآخر، فقد عرض علي الذهاب الى أيران، وأكد أنه كان هناك وقد رجع ألى العراق لبيع المنزل وتصفية حساباته المالية ليعود مع عائلته ويستقرون في أيران. فأعجبتني الفكرة كثيرا، فمن جهة أهرب من العراق حيث صدام الذي يعادينا نحن الشيعة "بحسب عقليتي البائسة آنذاك" ومن جهة أتخلص من وطـأة الحصار الجائر الذي أكل اللحم وأذاب الشحم ودق العظم.

كان هذا (السيد) يصف لي أيران وكأنها جنة في الأرض، فبالأضافة ألى الطبيعة التي كان يبالغ في وصفها فقد كان يصف الأيرانيين وكأنهم ملائكة!. أنها الحرية بكل معنى الكلمة، فحتى المومسات فأن "أسلام آل البيت" وفي دولته أيران قد عالج موضوعهن بأعتبارهن جزء من المجتمع، وخصصت لهن في أيران مكاتب لزيجات المتعة "وبمهور" رمزية. هكذا كان يقول ذلك ( السيد) ويؤكد على هذه المسألة " مكاتب المتعة" بشكل كبير. الحقوق محفوظة حتى للذباب والحشرات، الوظائف مؤمنة، والذين لا يجدون وضيفة فأنهم يأخذون من بيت المال ألى أن يحصلون على عمل. بمئة تومان يمكنك أن تشتري بيتا مؤثثا.وأذا ألتحقت في فيلق بدر فأنك تستطيع أن تمارس ما شئت من الهوايات والوظائف، بالأضافة ألى فنون القتال.
لم أكن أعلم أن هذا (السيد) يريد أن يستخدمني وسيلة للعودة مع عائلته الى أيران .؟

كان يتظاهر بأنه مستاء من تأخير عملية بيع البيت الذي سيدفع من ثمنه للدليل الذي سيأخذنا الى ايران، مسترسلا في الأحاديث المغرية التي تشبه حكايات ألف ليلة وليلة. كنت في هذه الأثناء قد بعت أنا الآخر بيت العائلة وحولت ثمنه ألى دولارات أمريكية. صار الأتفاق أن نذهب كلتا العائلتين الى محافظة ميسان التي سننطلق منها عبر الحدود الى أيران، وقال أن أقاربه سيلحق بنا الى هناك حاملا ثمن البيت الذي أوكله ببيعه ليدفع نصف المال الذي أتفقنا أن ندفعه للدليل (القجاق) ،حيث أدفع أنا النصف الآخر، وعندما (طالت) مدة أنتظار (أقاربه) صار الأتفاق أن أدفع أنا أجرة الدليل (القجاق) كلها عن كلتا العائلتين "عائلتي وعائلته" على أن يرجع لنا (السيد) المال المترتب عليه في أيران.!!؟

وهكذا بدأت رحلة الذهاب الى أيران ، لأعيش هناك ما يزيد عن العشر سنوات، تعرفت من خلالها على حقيقة الأيرانيين التي لا زالت خافية على العراقيين وعلى الشيعة بشكل خاص.






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:27 PM   #3
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

الحلقة الثالثة:

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نكمل ما بدأنا استكمالاً للحلقات التي تمّ عرضها عن تجربتي الفريدة في جارة السوء ايران..
وفي هذه الحلقة سنلقي الضوء على حقائق جديدة.. علّ المنخدع يبصر الحق.. وعلّ من اختار الغشاوة أن يرفعها ويرى النور.!؟.

عند فجر يوم صيفي حار انطلقت بنا سيارتان تويوتا نوع "لاندكروز" من مدينة الكحلاء في محافظة ميسان وفي كل سيارة منهما يجلس السائق ورجل آخر بجانبه، وقد علمت في ما بعد بأن هذين السائقين هما الذين يديران عملية العبور والتهريب الى ايران وهما اللذان كان قد رتب معهما (السيد) الأمور، حيث أنني لم أرهما ولم أعرفهما أو أي أحد من الذين معهما من قبل، وأما الباقون فقد سمعتهم يطلقون على الواحد منهم أسم "المكروجي" [ثلاث نقط تحت الجيم] أي الأجير بـ"كروه" والتي تعني "الأجرة" باللهجة العراقية الدارجة.
حيث أستقلت كل عائلة احدى السيارتين وقد تكدسنا فيهما تكديساً لأن عددنا كان أكبر مما تستوعبان، اضافة الى المؤونة والأمتعة التي كانت معنا. وفي مكان ما حيث توقفت السيارتان وجدنا ثلاثة أشخاص بانتظارنا ، حيث قالوا أن الطريق في هذه المرحلة يتطلب السير على الأقدام على أن يكون ذلك السير ليلا. فكمنّا بين الأحراش الى أن حل الظلام، وكل منا تساوره أفكار يغلب عليها الشك والقلق والخوف والترقب، فالذين يسيرون بنا لا نعرف عنهم شيئا الا أنهم أدلاء هدفهم المال ولا شيء غير المال، وفي مثل هذه الحالات عادة ما يكون مثل أولائك الأشخاص الذين يبيعون كل شيء من أجل ذلك الهدف الا وهو المال، وكثيرا ما تتغلب نوازع الشراهة والشر فيهم على نوازع الخير والضمير والأانسانية، فكان لابد لنا أن نعد هؤلاء الأدلاء بأمل الحصول على ثروة أكبر مما أعطيناهم أو بشيء يغريهم أو يصرفهم عما قد يدور في رؤوسهم من أفكار شريرة تجاهنا، فقد قلنا لهم بأن هنالك من أقاربنا ومعارفنا الكثير من العوائل الثرية التي ستطلب منكم ايصالهم الى ايران حالما نخبرهم بسلامة وصولنا الى هناك.

رجع السائقان اللذين يديرا العملية كلها واللذين أقلانا من مدينة الكحلاء بسيارتيهما وتركا الآخرين الذين تعارفا على الأشخاص الثلاثة الذين وجدناهم بأنتظارنا.
لقد كانت كل مرة ينزع بها هؤلاء الأدلاء بنادقهم "الكلاشنكوف" التي كانوا يعلقونها على أكتافهم فأن تلك اللحظات كانت تملأ قلوبنا بشعور أننا ربما سنتحول الى جثث هامدة على هذه الأرض السبخة التي لا يسمع فيها غير نعيق الضفادع وأصوات الطيور المائية.

سرنا الليلة كلها كاملة تقريبا تخللتها بعض الأوقات للاستراحة والطعام، والخيالات الجميلة التي كنا نقحم بها أفكارنا عنوة.
وعند بزوغ أول خيط من الفجر وجدنا أنفسنا على حافة بحيرة كبيرة "لا أذكر أسمها" وبانتظارنا أربعة أشخاص مسلحون ببنادق "الكلاشنكوف" أيضا ومعهم زورقان يبدوان من لونيهما والكتابة التي لا زالت مكتوبة عليهما أنهما عائدان الى الجيش العراقي، وكان فيهما بعض المؤونة كالطحين والتمر.

ركبنا الزورقين وقد حملنا فيهما المؤونة وقد تركنا الرجال الذين كانوا يرافقوننا على اليابسة والذين لابد أنهم متفقون مع من سينقلهم الى حيث يريدون. وعلى صوت الماء أذ تحركه الغراريف "المجاذيف" بدأت الأحاديث التي لا تعرف لها رأس أو أساس، وأنما تبعثها نشوة يشوبها الخوف والترقّب لا سيما وقد بدأ يتعمق في نفوسنا أن رحلتنا تسير بنجاح وأن هؤلاء الأدلاء يتعاملون معنا بمصداقية. قال لنا أحد الرجلين الذين يجذفان بمهارة: "ان شاء الله راح تخلصون من صدام"، فرددنا بأصوات متشابكة: لعنة الله ...أنه.. لقد دمر العراق.. لقد حارب المسلمين.. وقد ألححنا بالذم والتعريض شعورا منا بأن ذلك مما ترتاح له نفسيهما، كما أننا كنا فعلا لا نرى صدّاما "يرحمه الله تعالى" الا من خلال الأفكار الزائفة التي يزرعها الايرانيون في قلوب عموم الشيعة تجاه أي قائد أو حاكم عراقي أو عربي يرون فيه ملامح العروبة أو تتصف شخصيته بالطابع القومي أكثر من أي طابع آخر"بغض النظر عما في تلك الشخصية من سلبيات أو أيجابيات". وبعد ألحاحنا في الذم والتعريض وخروج معظمنا حتى على حدود الأدب واللياقة فقد نبضت في أحد الرجلين حمية العرب وشيمة العراق فقال بشيء من الحزم والحدة: "بس هوه زلمة تره" ويقصد صدّاما يرحمه الله " ولمن لا يعرفون اللهجة العراقية فأن معنى كلام الرجل هو أن صدام كان رجلا بمعنى الكلمة". فصرنا نخفف من الحديث بوتيرة متسارعة لنحوله الى مواضيع أخرى نختارها بدقة مما لا يحتمل أن تثير حفيظة الرجلين اللذين لا نرجو منهما الا أن يوصلانا الى أيران وحسب، وقد كنا نتبادل نظرات الأمل والمسرة مع عائلة (السيد) والتي تستقل الزورق الآخر الذي يقوده الرجلان الآخران كما صاحبينا بمهارة ونشاظ غير مكترثين بحرارة الشمس اللاهبة.

كانت المجاميع التي تنقلنا الى ايران دقيقة وحذرة في عملها، وطرقها تشبه المافيا. وصلنا الى اليابسة فأخرج الرجال الزورقين وحملاهما على أحدى سيارتي تويوتا أيضا ومن نوع "بيك أب" صغيرتان كانتا بالانتظار بينما تكدس معظمنا في السيارة الأخرى، أنطلقت بنا السيارتان ما يقارب الساعة حتى وصلنا الى بحيرة قالوا أن أسمها "أم نعاج" وقالوا بأنه بمجرد أجتيازها الى الضفة الأخرى فسوف نكون في الأراضي الأيرانية.
وضعوا الزورقين في البحيرة، وأنتظرنا على الساحل عدة ساعات حتى هدأت الرياح العاصفة التي كانت شديدة الى حد ما، حيث قال لنا الأدلاء أن هذه البحيرة لا تؤمن أمواجها وقد غرق فيها الكثير.
في حوالي العاشرة ليلا أنطلق بنا الزورقان بعد أن هدأت الرياح. كان يداعب مخيلتنا أننا سنكون عند الصباح في ايران، ايران التي كنت أحلم بها منذ نعومة أظفاري وأنا أستمع الى "دعاء الافتتاح" من الاذاعة الايرانية، ومنذ كنت أرى صور (الأئمة) في "البوسترات" المكتوب عليها"ساخت ايران".
وبعد ساعات من القلق والترقب والتعب والنعاس، وقد تعب الرجلان اللذان يقودان زورقنا وكذلك الآخران في الزورق الثاني. قال أحدهما : "لقد وصلتم ان شاء الله" و سوف يستقبلكم "المجاهدون في الوزارة"!.

تصورت أن في ايران وزارة خاصة ( بالمجاهدين)، ولكن تبين فيما بعد أن "الوزارة" هو أسم كان يطلق على منظمة مسلحة أصبح أسمها في ما بعد "مجاهدوا الثورة الاسلامية في العراق" وهي حالها حال جميع المنظمات والأحزاب التي تعمل لخدمة المشروع الأيراني في العراق، والتي لا يمكن أن تكون قياداتها وكوادرها الرئيسية الا من ذوي الأصول الأيرانية، وترتبط أرتباطا مباشرا بدائرة المخابرات الايرانية "الاطلاعات" أو "الحرس الثوري"، بينما عناصرها العاملة والتي تحمل السلاح وبكل مراتبها فانها من (العراقيين) الذين خانوا وطنهم وباعوا شرفهم وغدروا بأهليهم وارتضوا بأن يكونوا مطايا للفرس في تنفيذ مشاريعهم العنصرية في العراق أو في أي بلد من بلاد العرب والمسلمين.وقد كان هذا "التشكيل" بزعامة المدعو "أبو زينب الخالصي" وهو ايراني فارسي الأصل ومن الذين كانوا يعيشون في العراق من الفرس والذين تم تسفيرهم الى أيران.

وقعنا بالأحضان على (المجاهدين). أحضر أحدهم دفترا وقلما وأخذ يسأل كل منا ليصف له الأوضاع في العراق ورأي الشارع العراقي بما يجري من أحداث حيث كانت تداعيات العدوان الثلاثيني على العراق تطغى على الساحة وكان أهمها في ذلك الوقت الحصار الجائر والذي لا أحسب أن شعبا من شعوب العالم شهد عشر ذلك الحصار. قدم لنا أحد (المجاهدين) بعض أقراص الخبز والشاي والسكائر ومن ثم وزع علينا كتبا أذكر منها "تحرير الوسيلة" للخميني وكتاب أسمه "هذي هي الوهابية" وقد رسمت أفعى رقطاء مكشرة أنيابها على غلاف الكتاب.
كانت أكياس الطحين الأبيض والسكر والشاي والسكائر في زاوية "المقر" تثير في نفوسنا الكثير من الشراهة والفضول والتأمل والتساؤل.!؟

رأيت على بعد أمتار العلم الأيراني على سارية معدنية، فأستأذنت أحدهم للمشي قليلا حول المكان حيث أخذت العائلتان تغطان في نوم عميق في أحد الأكواخ المبنية "وكذلك المقر" من القصب والبردي، فقال: "أخذ راحتك بس لا تروح بعيد"، فصرت أمشي رويدا حتى وقفت تحت ذلك العلم الأيراني وأمرغ وجهي بساريته وأنا أبكي من شدة الفرح وأقبل السارية وأشكر الله الذي قيظ لي أن أقف في هذا المكان "المهيب وعلى هذه الأرض المقدسة" وتحت علم دولة الامام الحسين.! في مشهد يرثى له في دولة ما عادت حقيقة الأمر إلا الحسين وأتباعه.!؟

رأيت من بعيد سيارة "جيب" عسكرية، فمشيت مسرعا نحو المقر لانني لا أعرف كيف أتحدث الفارسية بعد، مع أنني كنت في أشد الشوق لرؤية أولائك الجنود الأيرانيين أو الأقتراب منهم. وقفت السيارة أمام باب المقر وترجّل منها ثلاثة عسكريين أحدهم كان ضابطا برتبة ملازم ثان "عرفته من موضع النجمة على كتفه"، والآخران كانا جنديان أحدهما يتكلم اللهجة العراقية.
سأل الضابط الأيراني ، (المجاهد العراقي) الذي هم باستقبالهم مشيرا الي بقوله: "أين وأون مردم كيا؟" ومعناها الذي عرفته في ما بعد: "من هذا وأولائك الذين هنالك؟، فأجابه (المجاهد) العراقي والذي يحسن الفارسية: "مجاهدان نو أز عراق" أي: مجاهدون جدد من العراق. أخذا يتحدثان قليلا وأنا أقف بجانبهم فصار الضابط يتحدث وهو يحرك عصاه التي يمسكها بيده فيتعمد أن يمس بها أنفي قبل أن يدوس ببسطاره على أطراف قدمي متظاهراً أنه لم يشعر أو يتعمد فعل أي من الحركتين. دخل (المجاهد المزعوم) الى داخل الكوخ وخرج وهو يحمل بيده أربعة أسماك كبيرة أعطاها له وقد بادر الذي يتحدث اللهجة العراقية بحملها. وقبل أن ينصرفوا ألتفت هذا الجندي الى (المجاهد) وسأله: ماكو فد أطّلاع جديد ؟ (خبر سري)؟ فأجابه راح يوصلّك ان شاء الله.! وعندما انصرفوا قال لي الرجل: سوف تذهبون غدا الى سوسنكرد " وهو الأسم الذي أطلقه الفرس على مدينة الخفاجية في أطار تفريس المناطق والمدن العربية.

وهكذا حصل فعلا، فقد نقلونا صباح اليوم التالي على متن شاحنة "لوري" مرسيدس من النوع الذي يطلق عليه العراقيون "أبو ردين" وقد علمت في ما بعد أن معظم المركبات "ان لم تكن جميعها" والتي جعلت في خدمة عملاء أيران كمنظمة بدر أو حزب الدعوة وغيرها فأنها مما سرقت في أوقات وظروف مختلفة من العراق وكان أبرزها أبان "صفحة الغدر والخيانة" أثناء انسحاب القوات العراقية من الكويت.. كان أختياري أن أجلس بقرب السائق مع رجل آخر وكلاهما عراقيان ويرتديان بدلات عسكرية.

وعلى طول الطريق من ساحل بحيرة أم نعاج الى الخفاجية، شعرت وكأن الحرب لا زالت قائمة! فالأيرانيون لم يزيلوا أي من آثار الحرب.. دبابات معطوبة، مدافع محطمة، سيارات محترقة، قذائف منفجرة وأخرى لم تنفجر، ظروف فارغة، بذلات ممزقة، أحذية متناثرة، وكأن معركة ضارية قد وقعت قبل يوم على الأبعد.
وعلى الطريق توقفنا في مكان ما، فقالوا أن ذلك "للزيارة"، دخلنا من بوابة كبيرة فرأيت أمام البوابة لوحة كبيرة مكتوب عليها:[ فأخلع نعليك أنك بالواد المقدس].!! وعندما اجتزنا البوابة التي على جانبيها نقطتي حراسة وجنود مسلحون، أخذ ما يسمى (المجاهدون) يعرفوننا بالمكان الذي يبدو أنهم قد (زاروه) عدة مرات، فقالوا أنه المكان الذي قتل فيه الجنود العراقيون مواطنين ايرانيين عزل عند دخول العراقيين الى الأراضي الأيرانية في كذبة الهدف منها تشويه الجيش العراقي البطل. ولقد تم تمثيل واقعة مروعة بما يشبه عملية الاعدام الجماعي والتمثيل بالقتلى وبشكل بشع للغاية على شكل دمى ومجسمات بحرفية تامة وكأنها واقعية كما هي تمثيلياتهم التي يصوغونها بذكر استشهاد الحسين رض الله عنه..!؟.

أقترب منا "السادن" وهو رجل معمم يتكلم العربية بلكنة فارسية ليشرح الواقعة، ثم أقمنا خلفه الصلاة والدعاء والزيارة وكانت تشبه عندنا زيارة عاشوراء أو أي من الزيارات التي تقرأ عادة في الحسينيات، وقد ختمها "السادن" بالقول: " اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن في هذه الساعة وفي كل ساعة....ألخ".
وعند خروجنا من "الوادي المقدس" سألت أحد (المجاهدين) الذين يرافقوننا ببراءة أيمانية فيها الكثير من التصنّع لأبدو أكثر ملائمة كشخصية (جهادية): لماذا لم يزيلوا آثار الحرب لحد الآن رغم مرور كل هذه السنين؟!
فقال (المجاهد) بطريقة تجمع بين الجد والتأكيد وما بين الفكاهة المصطنعة: "حتى لا تنسى الأجيال القادمة ما صنعه صدام وجنوده بالأيرانيين الأبرياء"، ثم أعقب كلامه بضحكة باهتة، وملاطفة فجة.!؟ وهذا أكبر ما يشير إلى أن هؤلاء يرضعون أطفالهم الحقد منذ الصغر، كما فعلوا بشيعتهم.. كي تنشأ أجيال لا همّ لها سوى الانتقام..

بدأ الشعور بالاحباط يتسلل الى نفسي خلال الطريق الى الخفاجية، فأحاديث (المجاهدين) كانت تنم عن وضع غريب يعيشونه في ايران غير الذي تصوره وسائل الاعلام الايرانية. البيوت والقرى والمدن التي نمر بها أشبه بسكان العصر الحجري. رائحة المستنقعات تزكم الأنوف ، ونعيق الضفادع يعزف نشيد أستقبال على الطريقة الأيرانية. الشوارع معظمها أسفلتها مكسر. ملابس الناس فيها كثير من الرثاثة. الوجوه متعبة وتخفي ورائها مأساة عميقة، وحكايات مريرة. وبين هذه الصور أحسست بأننا أرخص سلعة في الوجود.

وصلنا الخفاجية في منتصف النهار تقريبا، فأخذونا الى زريبة في أطراف المدينة، وفي قرية بيوتها متناثرة حيث أنزلوني وعائلتي أمام بيت مهجور، بينما قال (السيد) الذي اتفقت معه في العراق بأنه سيسكن مع أقاربه في مركز مدينة الخفاجية ثم ألتفت الي وقال: (أشوفك أن شاء الله) ، فذهب الجميع ولم أر (السيد) من حينها والى يومنا هذا.

بدأنا نشعر بالخوف والحيرة والألم، فليس لدينا في هذه الزريبة أية بطانيات أو حتى بساط نفترشه أو أدوات للطبخ أوالغسل، لا ماء ولا طعام سوى أن [ زادنا وزوادنا في الخميني غرام في غراااااااااااام] "على رأي فريد الأطرش". ولكن من حسن الحظ أن الوقت كان الصيف، فالحر يمكن تحمله رغم البعوض الذي كان يبقينا مستيقظين حتى الصباح، وكذلك أهل القرية كلهم عرب خوزستانيون "الأحوازيون يسمون هناك بالخوزستانيين" وقد قدموا لنا كل المساعدة وذلك من شيمهم العربية التي لم ولن يستطع الفرس محوها أو أزالتها الى أبد الآبدين، وعلى الرغم من أن الأحوازيين لا يحبون الذين يعادون صدام حسين "يرحمه الله".
أخذ يأتينا بين الفينة والفينة أحد المعممين العراقيين ليسجل أسمائنا وبعض المعلومات عنا ثم يدفع لنا بضعة تومانات لا تكفي لسد وجبة طعام واحدة وكل ذلك بعد طول الأسئلة والاستفسارات المملة والتي كانت تنم عن تعمدهم ذلك ليعلقوننا بالأمل والرجاء بأحسن الحال ثم يتركوننا في شدة المعاناة وشظف العيش وينصرفون عنا حتى بدون كلمة "في أمان الله أو مع السلامة".

وذات يوم جاءنا أحد العراقيين وقال أنه من جماعة السيد الحكيم وسوف يأخذنا الى وكيله للمقابلة والأنخراط في قوات بدر.!؟ لم يأخذنا ألى بيت وكيل (الحكيم) لنقابله وأنما الى بيت يسكن فيه والده. كان البيت فارها ومؤثثا بأحسن الأثاث وفيه كل وسائل الترف، وكان البيت في حي من أحياء مدينة الخفاجية أسمه "المشروطة". ولقد عرفنا فيما بعد أن والد وكيل الحكيم هذا كان يمارس السحر والشعوذة (والطب الشعبي) والرذيلة رغم سنه الذي يزيد على الستين سنة ورغم أنه متزوج من أمرأة عمرها حوالي العشرين سنة، وكانت أيرانية "فارسية" قد تكون قبلت هي وأهلها بزواجها منه لكونها كانت "خرساء" ولمكانته هو في الدولة الأيرانية وجاهه وغناه.

كانت تأتي هذا "الملا" كما كان يعرف هناك بعض النساء الأحوازيات "وحيث أن المجتمع كله يغلب عليه الجهل والبساطة" لحل مشاكلهن الأجتماعية. وذات مرة أكتشف أحد الرجال الأحوازيون وشماً تحت سرة زوجته. وبعد أن تقصى الحقيقة وأعترفت له الزوجه بأن هذا (العراقي) هو الذي عمل لها الوشم لكونها كانت مريضة وقد أخبرها بأنه لا شفاء لها من دون ذلك الوشم مما اضطرها أن توافق وتخفي ذلك عن زوجها.!؟ فقررالزوج الأنتقام من هذا المشعوذ والذي كان يطلق عليه المتنفذون في فيلق بدر حاله حال آباء المجرمين من الآباء الخونة بأبي المجاهدين!. ولكنه كان قد عرف بانكشاف أمره للزوج والذي تقف وراءه عشيرة لها سمعتها وكرامتها حالها حال العشائر العربية في الأحواز "خوزستان" والتي يحسب لها في مثل أمور الشرف هذه خاصة ألف حساب، ففر هذا (الملا) الى محافظة كرمانشاه البعيدة جدا عن الخفاجية خوفا من الأنتقام.

المهم أننا قابلنا وكيل "السيد الحكيم" وبرغم الخواتم "المحابس" التي يتختم بها والهيئة المتواضعة التي يبدو عليها، والطريقة التي توحي للوهلة الاولى بالأدب (صنعة) التي يتحدث بها فانه كانت نظراته وفلتات لسانه وخروجه اللا أرادي عن أدب الحديث تنبأ بنفس شريرة لا تطمأن لها النفوس.
أتفقنا أن يأتينا غدا صباحا ليأخذنا بسيارة ما يسمى (المجاهدين)، وفي الصباح الباكر.. وقفت أمام الزريبة التي كنا نسكن فيها سيارة "تويوتا كوستر" بلون "كاكي" يبدو كأنها من سيارات العراق حيث لم نر في ايران في ما بعد هذا النوع من السيارات لتأخذنا الى أحد مقرات منظمة بدر أو بالأحرى "منظمة غدر" الأيرانية المنشأ والتمويل والأهداف والقيادة.!؟
ماذا حصل هناك..!؟ هذا ما سنكمله في الحلقة الرابعة إن شاء الله..






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:29 PM   #4
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحلقة الرابعة

نكمل ما بدأنا في الحلقة الثالثة..
حيث أنطلقت بنا السيارة الى أحد مقرات منظمة (بدر). كان السائق يجلس بجانبه (وكيل السيد) يقودها بتبختر ويتحدث بفظاظة وسماجة.. يحرك يديه كثيراً، ويحلف بمناسبة أو غير مناسبة بـ"بخت السيد"، وكلمة "السيد" هذه تعني المدعو (محمد باقر الحكيم)، رئيس تلك المنظمة الأرهابية، حيث يعرف هناك وبين أوساطها بهذه التسمية بدون ذكر بقية الأسم كشيء من "التواضع والتوقير" لذلك (السيد).!؟

على مقربة من المعسكر رأيت لوحة كبيرة شاخصة على الأرض مكتوب عليها: "وطن ما بصره وشام نيست...وطن ما أسلام أست" ومعناها بالعربية: وطننا ليس البصرة أو الشام، أنما وطننا الأسلام..!!؟ وهذا الشعار كغيره من الشعارات (المتأسلمة) الزائفة التي كانت تملأ جميع أوكار الخيانة وخدمة المشاريع الايرانية، وكذلك (المخيمات) التي تسكنها عوائل العملاء والتي تعرف بـ"الأوردكاه" فأن القصد من ورائها جميعاً هو تعميق الشعور بالتنكر للعراق والعروبة والأرتماء في أحضان الأيرانيين والذين كان يشار اليهم أصطلاحاً في ايران من قبل (العراقيين) هناك عندما تذكر كلمة "الأسلام أو المسلمين"، وكأن الاسلام لا يتمثل أو يوجد في بلد أو شعب على وجه الأرض الا في أيران وفي هؤلاء الأيرانيين، والفرس على وجه الخصوص. والحقيقة أنهم برآء من هذا وذاك، مثلما هو الأسلام منهم بريء.

من الشعارات التي جاء بها الخميني بعد أن أختطف من الشعب الأيراني ثورته على الشاه بمساعدة الغرب والأمريكيين هو نص الآية الكريمة: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين}، ولقد عشت في العراق منذ أن رفع الخميني ذلك الشعار والى أن هاجرت الى ايران وأنا أشعر بأنني أنتمي الى فرقة "المستضعفين" هذه، رغم أنني لم أكن أختلف أو أعامل في العراق الاّ كواحد من أبناء العراق، بل على العكس تماماً فأنني لم أجد نفسي أعامل على أنني من هؤلاء "المستضفقين" الا في ايران وعلى أيدي الفرس المجوس.. لقد كان شعار تلك الآية واحدا من الشعارات الكثيرة التي تملأ أركان ذلك المعسكر، مثلما تملأ الأماكن الأخرى حيث يتواجد فيها عملاء أيران.

دخلنا ذلك المعسكر.. وجوه ممسوخة كأنها رؤوس الشياطين، يغلب على سحنتها السواد المشوب بالصفرة، الكل أسماؤهم أبو فلان وأبو فلان "على أساس أنها أسماء (حركية أو جهادية). وقد عرفت في ما بعد أن الذين يسمون أنفسهم بأسمائهم الشخصية أنما يعتزون بأسماءهم الأيرانية وأنهم الأسياد ويعملون علنا لبلدهم فلا داعي للأسماء (الحركية) ومنهم محمد باقر الحكيم وحسين الشهرستاني وهادي العامري وعلي الأديب وكريم شهبوري الذي صار في ما بعد موفق الربيعي وبيان جبر وأبراهيم الجعفري وغيرهم. كما أن التسمية بالاسم أو اللقب تعطي لحاملها شيء من الشخصية المعرفة، بينما يعتبر الأيرانيون هؤلاء المحسوبون على العراق من الذين خانوا وطنهم وشعبهم بأنهم ليسوا سوى نكرات وهمج رعاع. والحقيقة أن كلاهما نكرات في عين العراق وشعبه الأصيل.

من النادر بل ومن المستحيل أن ترى أحداً من من يطلقون أنفسهم (المجاهدين) دون أن يكون قد تختم في يديه بخاتم أو خاتمين على الأقل وفي اليد اليمنى خاصة ، على أساس أنها من علامات المؤمن..!؟ كما أوردت "كتب الطائفة" عن أحد الأئمة المعصومين! ولا أدري كيف يبنى الأيمان أو يتوقف على خاتم تلبسه متى شئت وتخلعه متى شئت!. كما أن من النادر أن ترى أحدا منهم في أوقات الفراغ دون أن يحمل بيده "مسبحة" وهو يسبح بحمد ايران.

من الأسئلة الغريبة التي وجهت الينا في المعسكر هي عن عدد الذكور والأناث في العائلة والحالة الأجتماعية لكل فرد، وقد عرفت أن أصحاب السطوة والجاه وخاصة المعممين يستأثرون بالزيجات المتعددة بالاضافة الى زيجات "المتعة" ويحومون حول أية أمرأة ليس لها زوج، واذا كانت متزوجة وأعجبت أحدهم من ذوي السطوة والجاه فأنه يكيد لزوجها الى أن يتخلص منه بطريقة أو بأخرى أو يظل يحاربه حرباً نفسية شعواء ، وحيث أن المتاجرة بالأعراض شيء مألوف بين تلك الأوساط، اما رغبة في الحصول على حظوة عند هذا المسؤول أو ذاك أو رهبة وخوفاً من تلفيق التهم والتسفير والرمي على الحدود العراقية الأيرانية أو الأتفاق مع الذين يعملون سراً في داخل العراق من أتباع هذه المنظمة أو غيرها للأخبار عن دخول هؤلاء الذين يراد التخلص منهم أو الأيقاع بهم بعد أن يتم أيهامهم بأرسالهم الى (مهمات جهادية) داخل العراق. وفي بعض الأحيان يتم تعبئة سياراتهم بالمواد المتفجرة أو الصواريخ وبعلمهم طبعاً، ولكن يتم تفجيرها عن بعد حال دخولها الى الأراضي العراقية.!!؟

والأنكى من ذلك فأن الذين يحيكون نلك المؤامرات فأنهم هم أنفسهم الذين يقيمون لضحاياهم مآتم العزاء أو الحفلات التأبينية في أيران ويتقبلون فيهم التعازي. وقد تم الأيقاع بالمئات من (العراقيين) ومنهم الكثير من الذين أعلنوا (توبتهم) للتخلص من شدة الظروف ووحشية التعامل في معسكرات الأسر من الذين وقعوا أو سلموا أنفسهم طواعية للقوات الايرانية في حرب القادسية الثانية والتحقوا في ما بعد بفيلق ( بدر) أو غيره من المنظمات المسلحة والتي تعمل في خدمة الأيرانيين، حيث يرسلونهم ألى العراق ويحملونهم برسائل خطيرة أو بمتفجرات ثم يوعزون لمن يعلم السلطات العراقية بمكان وزمان دخولهم العراق ليتم القبض عليهم، وقد كان ذلك يحصل لأتفه الأسباب الشخصية وأحيانا بدون سبب.

زارنا مرة (السيد) وهو كما قلنا الأسم الذي يعرف به المدعو (محمد باقر الحكيم)، وقد بذلت حمايته جهدا كبيرا لأبعاد الذين أنكبوا عليه يقبلون يديه ورأسه ورجليه، ومنهم من أخذ "قبضة من أثر الرسول" حفنة من التراب الذي كان يقف عليه ليصنعوا منها "الترب"..!!. ومن الأمور التي حركت مشاعر (المجاهدين) ومنهم من أجهش بالبكاء أن العباءة التي يرتديها السيد كانت مرقعة وبالية "كدليل على الفقر والزهد" رغم السيارات الفارهة والخدم والحشم الذين يحيطون به.!! وقد كان المسؤولون في المجلس الأدنى هناك يستشهدون دائماً بـ"عباءة السيد" عندما يكون هنالك حديث عن رواتب متأخرة أو أنتقاد الأوضاع المزرية التي تعيشها عوائلهم في المخيمات "الأوردكات".!؟

لقد أثار منظر "عباءة السيد" في نفسي تسؤالاً عفوياً: "هل يضحك هؤلاء على أنفسهم أم يضحكون على بعضهم البعض؟!" وهل يمكن لعاقل أن يتقبل مثل هذه التمثيلية السخيفة وهذا العرض المسرحي البائس؟!، ولكن سرعان ما أستغفرت ربي أن فكرت بمثل هذا.!؟

كانت أحاديث (المجاهدين) في ذلك المعسكر تثير التقزز في نفسي، وكنت أجاهد نفسي بقوة لأبدو طبيعياً ومنسجماً معهم وكأنني عنصراً متفاعلاً من عناصرها. لقد كان الكل يتفاخر بما قام به من عمالة وغدر وخيانة للعراق وشعب العراق، الكثيرون يحتفظون بخرائط مفصلة عن مواقع القوات العراقية أبان الحرب، وصور القادة العسكريين، وأشكال الرتب العسكرية العراقية وما يقابلها في المؤسسة العسكرية الأيرانية من الأشكال والأسماء.

ومن الحكايات التي لا أنساها والتي كان يتندر ويتسامر بها (المجاهدون) في ذلك المعسكر حكاية رواها أحدهم حيث كان (جندياً) في الجيش العراقي أيام الحرب فقد قال بأنه كان في الوحدة التي ينتسب اليها والتي ترابط على خط النار مع الأيرانيين مقاتلاً عراقياً متسلحاً بـ"دوشكة" وهي سلاح رشاش يطلق العديد من العيارات النارية بشكل متواصل وسريع. فقال بأنه كان يحز في نفسه أن يرى ذلك المقاتل وهو يطلق النار بتلك الكثافة والتأثير على (جنود السادة)، ففتح موضوعه مع أحد الذين شعر بتخاذلهم في القتال مع الأيرانيين وهو "يجس نبضه" فتبين له بأن ذلك (الجندي) يحمل نفس الشعور تجاه ذلك المقاتل. وأستطرد في حديثه وسط انصات (المجاهدين ) بأنه أتفق مع ذلك (الجندي) الآخر والذي كانت معه قاذفة "آر بي جي" ليقتلا ذلك المقاتل العراقي.. فكمنا له في غفلة من باقي الجنود المقاتلين على الجبهة وفي ظرف لا يشعر بهم أو يراهم فيه أحد وبينما كان ذلك المقاتل الشهيد منهمك في الدفاع عن وطنه وعرضه وهو يحصد فلول الفرس الغزاة. سأل هذا المتحدث (المجاهد) الحاضرين باللهجة العراقية: " تدرون شسوينه بيه؟"... مسحناه بالقاذفة مسح، بحيث أصبح أثر بعد عين "، فقال بعضهم: "اللهم صلي على محمد وآل محمد" وقال آخر: أكيد المهدي سلام الله عليه رش على عيون جنود صدام تراب بحيث لم يراكم أحد.!؟
بقيت ولا زالت صورة ذلك الشهيد تحفر في نفسي وأنا أتصوره وهو مدير ظهره لمن يعتقد بأنهم رفاقه وأخوته وأبناء وطنه ويدافعون مثله عن شعبهم ووطنهم ضد الفرس الطامعين، فجائته طعنة الغدر من ظهره ومن هؤلاء الذين كان قد أعطاهم ظهره وهو يواجه بصدره الطامعين في وطنه ووطنهم "أو كما كان هكذا يظن".!!؟
الخيانة والغدر شيء فظيع، فظيع للغاية، بل هو أقبح سلوك يمارسه الانسان على الأطلاق. صحيح أنني كنت أمارس الخيانة في نفسي بمشاعر التأييد لؤلائك الفرس أنطلاقاً من الشعور بالانتماء الى نفس تلك (الطائفة المضطهدة)، ولكنني لم أكن أعلم بأن الذين أنتمي اليهم أو أقف الى صفهم فانهم بهذه الخسة والدناءة والانحطاط والسقوط، وأن الذي كنت أعتبره (جهادا) أو (أضعف الأيمان) فأنه كان خيانة لله والوطن، وأن الخيانة ليس لها وجه آخر سوى هذا الوجه القبيح الفظيع.!؟

تحدثت مرة "وقد كنت قليل الكلام عادة" خوفاً من أن لا ينسجم حديثي مع مشاعر (المجاهدين)، ولم أدرك بأن الذي حفزني على ذلك الحديث هو تلك الحادثة التي رواها ذلك الغادر الا وأنا أكتب هذه السطور الآن، فقلت متحدثا مع بعض الحاضرين بأنني لو حصل أن دعاني صدام حسين "يرحمه الله" لأكون من ضمن مجموعة حمايته الشخصية فأنني سأعتذر له، لأنني لا أستطيع أن أكون مدافعاً عن حياته كما أنني لا يمكن أن أخونه أو أغدر به لأن الخيانة ليست من حسن الخصال. فأكفهرت وجوه الحاضرين وقطبت جباههم، ومنهم من قال ليعبر عن رأي " فقه المذهب" وماذا تعرف أنت عن التقية التي هي دين آل البيت عليهم السلام؟ ".!؟

لم يطل بقائي في المعسكر أكثر من ثلاثة أشهر، وقد ترافق نقل أحدهم حديثي ذلك عن صدام " يرحمه الله" الى أحد المسؤولين مع صدور أوامر باستبعاد جميع الذين لم يكملوا في (الخدمة) مدة سنة الى وقت ذلك القرار وأحالتهم على ما يسمى بـ(القوة الأحتياطية) لفيلق غدر، وهذه الدائرة لا تطالب بالحضور أو الدوام في مكان معين وأنما يتم أستدعاء عناصرها وقت الحاجة، كما أن المنتسبين أليها لم يكونوا يتقاضون رواتب معاشية. ولكن تلك الدائرة كانت تصرف هويات أنتساب أو عضوية لها، وكثيرا ما كان يسقطها رجال التفتيش الأيرانيون في نقاط التفتيش على الأرض عمداً ليدوسوها بأرجلهم حالها حال أية بطاقة يحملها (العراقيون) هناك بإستثناء الذين يحملون "الكارت الأخضر" والذي عادة ما يحمله الايرانيون المسفرون من العراق والذين لم تثبت فارسيتهم بصورة مطلقة ولكن يبقى لهم أمتياز كبير ورسمي على (العراقيين) الآخرين. ولقد كنا نتملق كثيرا عندما تنفد مدة تلك البطاقات لنحصل على بطاقات جديدة، وكذلك الحال اذا أردنا التنقل من مدينة ألى أخرى فيتطلب الأمر كذلك الحصول على وثيقة أخرى تسمى "برك تردد" أي ورقة التنقل.

أن الآليات العسكرية العراقية كالدبابات والمدرعات التي دخلت المدن الأيرانية في بداية الحرب وتعطلت هناك فأن الأيرانيين لم يرفعوها كلها ولحد الآن بل تركوا الكثير منها على جوانب الشوارع وفي الساحات والحدائق العامة، ومنها دبابة في مدينة الخفاجية وثلاث مدرعات ومدفع في مدينة البسيتين والعديد من الآليات والمدافع في مدينة المحمرة . وكذلك الكثير من الطائرات المعطوبة أو بعض أجزائها فقد أحيطت بمحوطات وأصبحت جزء من معالم المدن للتذكير وألى الأبد بالحرب مع العراق والتي يسمونها ب"حرب الدفاع المقدسة".!!؟

لم أسمع في حياتي كلها أو أقرأ أو أرى أو أتصور مهاجراً يمكن أن يلاقي ما لقيته وكذلك الكثير مثلي من الذين غرر بهم الايرانيون في ذلك البلد العنصري وتلك الحكومة الظالمة. لقد كنت مصاباً بالحيرة والشك "أستغفر الله" في مدى مصداقية الآية الكريمة: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة } فلم يكن هنالك الا الضنك والبؤس والقهر والتنكيل والتمييز والأضطهاد. وحيث أن ذلك التساؤل والحيرة كان في ظل "الايمان" الذي بقي عميقاً وأستمر ليأخذ الجزء الأكبر من سنين معيشتي هناك رغم كل تلك المعاناة بأننا قد هاجرنا الى "جمهورية العدل" أو (جمهورية ايران الإسلامية) ولكن ذلك التساؤل وتلك الحيرة قد زالتا في ما بعد وفي وقت متأخر جداً هناك وذلك عندما علمت بأنني لم أكن مهاجراً في سبيل الله كما كنت أعتقد، وكما تقول هذه الآية الكريمة وأنما في سبيل الفرس ومشروعهم التوسعي والتدميري في العراق.

أنت عربي، فأنت عدو لأيران وان لم تسيء لأحد ولكنك ثقيل على أرض "بلاد فارس" فكيف بك اذا كنت عراقي؟!. أما وقد ضعفت حجتك في أثبات العمالة للأيرانيين بعدم أشتغالك في المنظمات الأيرانية التي تخدم من خلالها الفرس وتثبت فعلياً ولائك لهم فأن عليك الآن أن تكدح وتشقى وتذل وتهان وتمتهن وتسب وتشتم دون أن تنبس ببنت شفة، واذا أستنكرت شيئاً من ذلك فأن القول الذي سوف تسمعه من الأيرانيين هو: "خوب جكار كني تو انجا"، ماذا تعمل أنت هنا في ايران؟!؟

اذا كنت تحمل شهادة الدكتوراه في الطب أو الهندسة أو الفيزياء فعليك أن تبيع الطماطم أو تصنع لك "بسطة" تقتات منها على الرصيف ما لم تثبت أن في عروقك يجري ذلك الدم الفارسي "المقدس". [مع الأحترام لكل المهن الشريفة]!؟.

من الأمور التي يصعب تصديقها فان جميع القتلى الأيرانيين "وأؤكد على كلمة جميع" من ضباط ومراتب وطيارين ومن القوات البحرية وغيرها فقد أطلقت أسماؤهم على الشوارع والساحات والبنايات والملاعب والحدائق العامة والأسواق، ومنهم من وضعت صورهم وأسماؤهم على شكل مجاميع على البنايات والجزرات الوسطية "البلوارات" مثل "بلوار شهيد" في مدينة الأحواز.

أن المعاناة والأضطهاد الذي يعانيه العرب في أقليم الأحواز "والذي يعرف بأقليم خوزستان" في جنوب ايران هي معاناة وأضطهاد من نوع خاص جداً وعلى نار هااااااااادئة. ويعتبر الذين يطلقون تسمية "فلسطين المنسية" على الأحواز بأنهم قد وجدوا وصفاً دقيقاً لمعاناة العرب هناك، والحقيقة هي أنهم لم يصفوا سوى قطاعاً واحداً من قطاعات الأحواز مقارنة بما يعانيه الفلسطينيون على أيدي الصهاينة في كل فلسطين، مع عظم تلك المعاناة وذلك القتل والتمييز والأظطهاد.
ولهذا فلابد من تخصيص الحلقة التالية من هذه المذكرات للحديث عن معاناة ذلك الشعب العربي المنسي من على خارطة العرب والمسلمين والعالم أجمع.
وللحديث بقية..






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:36 PM   #5
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحلقة الخامسة

نكمل مسلسل فضح جمهورية "الموت" المجوسية ونقل شواهد الجرائم الفاحشة التي تتم بحق من يقفون بوجه سياساتها الإجرامية، وبحق شعوب جلّ ذنبها أن عروقها "عربية".. علّ وعسى يفيق "العراقيون" من ما زال منهم يقدس ايران ، حيث سنضع أمامهم في هذه الحلقة الهامة، خفايا ما يحدث في أرض "الأحواز" المغتصبة وقواسم التشابه ما بينها وبين ما يحدث في العراق الآن.. علّ وعسى تلك الفئة المنخدعة تنقذ ووطنها قبل فوات الأون..
إذا تسنى لك أن تعيش في خوزستان "الأحواز/عربستان" فإنك ستجد أن كل ما سمعته أو قرأته عن ما تسمى بمنظمة حقوق الأنسان أو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو منظمة "هيومان رايتس ووتش" مراقبة حقوق الإنسان أو أية منظمة أو مؤسسة أو دائرة دولية أو محلية تدعي أنها تعنى أو تهتم بهذا "الإنسان" الذي يعيش على هذا الكوكب هو مجرد كذب وأدعاء.

في هذا الإقليم العربي المسلم المستباح ترى في كل عام عدة حالات من جرائم القتل المنظم والإبادة الفردية أو الجماعية للسكان والتي تمارسها عصابات النظام الحاكم في طهران، حيث يتم تنفيذ عمليات الإعدام شنقاً "وهي الطريقة التي يفضلها الفرس في القتل" للعديد من الناس الأبرياء، شباباً وشيوخاً، نساءاً ورجالاً، بنات وبنين لأسباب تافهة وجرائم مفبركة، القصد منها التنكيل بهؤلاء العرب الغير مرغوب فيهم في بلاد فارس "شأنهم شأن بقية القوميات الأخرى غير الفارسية"، ولإشاعة الخوف والرعب في نفوسهم. وفي كل مرة فإنه يتم الإعلان عن مكان وزمان تنفيذ هذه الجرائم قبل مدة لا تقل عن الأسبوع، وفي أماكن عامة يعرفها حتى الذين هم من خارج المدينة. وعادة ما يحضر بعض المعممين الى مكان تنفيذ الأعدام للإيحاء الى سطوة الملالي، وبأن عقوبة الإعدام هذه هي جزاء من "يتطاول" على النظام المقدس الحاكم في طهران.

ليس من السهل على من يحمل ذرة من الإنسانية والوجدان ممن يرى هذه المشاهد الفظيعة أن ينساها بسهولة، فصور الضحايا وأجسادهم وهي ترفرف وتحرك الحبال بشدة في لحظات عروج أرواحهم البريئة الى بارئها لا يمكن أن تمحى من الذاكرة أبداً، فكيف يمكن لمن أصدر وصادق ونفذ هذه الأحكام أن ينام هانئاً؟!. إن الذين تنفذ فيهم أحكام الإعدام في خوزستان "الأحواز" فإن أعمارهم وأجناسهم وقضاياهم لا تتناسب أبداً مع هذه الأحكام الجائرة، كما أن مستوى الوعي المتدني للغاية وتفشي الجهل الذي يعانيه المجتمع الأحوازي يضيف ظلماً على ظلم. إضافة الى أن معظم القضايا "إن لم تكن جميعها، والتي أعرف حيثياتها على الأقل" فإنها قضايا كيدية يقوم بتلفيقها أصحاب الجاه والثروة والسلطة والنفوذ، أو تكون ضمن حملات عشوائية تقوم بها ما تسمى "هيئت أمر به معروف ونهي أز منكر" هيئة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الإرهابية، أو تنفيذاً "لتوجيهات" تصدر من طهران الى دوائر "الباسيج أو الإطلاعات أو السباه بتطهير الأمة من العناصر الفاسدة".!؟

كنت أتصور أن أخبار وصور هؤلاء الضحايا ستملأ الصحف والمجلات في كل أرجاء العالم و ستذيعها جميع وسائل الإعلام عندما رأيتها لأول مرة، وأن جميع مراسلي (وكالات الأنباء) مثل "رويترز أو الأسيوشيتيد برس" سيكونون أول من يلتقط لهم الصور حين ترفعهم الرافعات العملاقة حيث تربط حول رقابهم الحبال الغليظة. ولكن لا شيء من هذا يحصل أبداً!. لا تسمع سوى هتافات "الله أكبر" باللهجة الفارسية، ولا ترى سوى القتلة عسكريين ومدنيين وهم يعضّون على أسنانهم تشفياً، ومن ثم يتبادلون التهاني والتبريكات بقتل هذا العربي أو "العربجة" كما يسمونه، ويلعنونه ويلعنون أمه وأبيه، وعبارات "خائنان ملت" وخائنان مردم" خونة الأمة وخونة الشعب.

كما أن هؤلاء القتلة يتعمدون عدم وضع غطاء على رأس الضحية وذلك إيغالاً في تعذيبه قبل الموت وهو يلقي على هذا العالم البائس نظراته الأخيرة. كما أنهم يحرصون على أن تتم عمليات الأعدام للضحايا وهم بملابسهم المدنية "ملابس البيت أو العمل أو الشارع" للإيحاء لمن يرى هذه المشاهد من عامة المجتمع بأنه ليس بعيداً عن حبال هذه المشانق.
قد يكون ذلك المعدوم الذي إختار له الفرس خاتمة القتل والفناء وهو في ريعان الصبا والشباب، لم يختر له أبواه المفجوعان به إسمه كذلك في شهادة الميلاد "شناسنامه"، فكثيراً ما يرجع الأبوان من دائرة الأحوال الشخصية " ثبت أحوال " خائبي الأمل في تسجيل ما إختاراه لوليدهما من إسم، ولكن موظف التسجيل في هذه الدائرة " وعادة يكون من العناصر الفارسية في مثل هذه الدوائر " لم يرق له ذلك الإسم فأختار له ما خطر في باله من إسم وضيع او ليس له معنى جمالي أو عمق أو دلالة في تأريخ أو تراث العرب. ومثل هذا قد حصل لأحد أصدقائي من الأحوازيين وقد ذهب ليسجل طفله بإسم "سهل" ولكنه عاد وقد أختار له موظف التسجيل إسم "سفر"، حيث أن الفرس لا يحبون أن يتسمى العرب هناك بأسماء ذات دلالات رفيعة أو مأخوذة من أسماء شخصيات تأريخية عربية أو إسلامية لا يرتاح لها الفرس.

اللغة "الرسمية" في إيران هي اللغة الفارسية. والمعروف حتى في أشد الدول عنصرية وقمعاً في العالم فإنه لا يعاقب أو يمنع من الكلام في غير تلك اللغة من لا يجيدها تماماً أو اذا ما مال الى الحديث بلغته الأم مع الذين هم من قوميته في إحدى الدوائر الحكومية، فمثل هذا الميل أمر طبيعي يحصل عادة عندما يتحادث إثنان من قومية واحدة. ولكن في إيران "والحديث هنا عن الأحواز" فإن الموظف العربي الذي يتحدث مع عربي آخر في داخل دائرته باللغة العربية فمصيره ليس الطرد من العمل فقط ولكنه قد يتهم بأنه من المعارضين لنظام دولة ولاية الفقية. وقد يصل به الأمر الى عقوبة السجن ولمدد طويلة. فإذا ما أراد أحد الذين لا يجيدون الفارسية من العرب مراجعة إحدى الدوائر الحكومية فعليهم أن يصطحبوا معهم من يتحدث نيابة عنهم اللغة الفارسية.

وكذا الحال فإن جميع أسماء الدوائر والمباني والمدارس والشوارع والمحال التجارية مهما كانت صغيرة أو بسيطة فإنها تكتب باللغة الفارسية. بل وحتى عربات الباعة المتجولين وأصحاب "البسطات" فإن عليهم أذا ما أرادوا الأعلان عنها أن يكتبون عليها باللغة الفارسية، وخلاف ذلك فأن مصيرهم لا تحمد عقباه.
من المعلوم أن إقليم الأحواز "خوزستان" مشهور بزراعة النخيل، وتعد التمور من أهم المنتجات التي تدعم الإقتصاد الإيراني، ويتم تصدير أطنان منها سنوياً إلى دول العالم. وبالإضافة الى غلاء أسعار التمور في الأحواز نسبة الى كثرة زراعتها هناك وإلى مستوى دخل الفرد فإن السلطات الأيرانية تمنع زراعة النخيل في الحدائق أو الساحات العامة أو في الجزرات الوسطية" ما بين الشوارع" وذلك لأن الفرس يعتبرون النخلة من الرموز العربية، والتي قد تظفي على المدن طابعاً عربياً وخاصة في مركز مدينة الأحواز. وهكذا فإن شجرة النخيل لا تعطى في إيران أي إعتبار رمزي أو وجودي أو جمالي رغم ورود الحديث النبوي الشريف {أكرموا عمتكم النخلة}. ولكن النخلة أيضاً شأنها شأن كل خلق يعيش في إيران ممن " أنكر الولاية " فإنها تعاني أيضاً من التعسف والظلم والحيف والأجحاف.

إن المستوى المعيشي لسكان الأحواز والفقرالمدقع الذي تعاني منه معظم العوائل العربية هناك فإنه لا يمكن لمن لا يعرف الحقيقة وهو يشاهد ذلك الفقر أن يصدق أن معظم حقول النفط في إيران "والإحتياطي الستراتيجي" تقع في هذا الإقليم المضطهد وأن آبار وبحيرات النفط العملاقة تجري تحت أقدام الأحوازيين. ولكثرة محطات الإستخراج والمصافي ومحطات التكرير في إقليم "خوزستان" الأحواز فإن الناظر يشعر وكأنه في "متاهة" من شبكات الأنابيب والتي تنقل النفط والغاز والمشتقات الأخرى، وتتداخل وتتقاطع او تمر بالقرب من العديد من المدن والقرى والأرياف.
أذكر مرة أن ثقباً وتسريباً قد حصل في أحد أنابيب نقل البنزين بالقرب من قرية بسيطة في أطراف مدينة الأحواز. فأخذ بعض الصبيان والجهًال من تلك القرية ومن غيرها يملؤون القناني والحاويات الصغيرة من البنزين المتسرب ويبيعونه لقاء بعض "التومانات". ويقوم بعض المراهقين بملأ خزانات دراجاتهم النارية منه، حيث عوامل الفقر والجهل والحاجة "وغلاء المحروقات" كفيلة بإمكانية حصول مثل هذه الحالات. وهكذا بقي هذا الأنبوب على هذه الحال لأكثر من شهرين والسلطات المحلية تتقاعس في رفع تقرير عاجل الى الجهات المعنية لإصلاحة، فكان لابد من حصول كارثة بسببه تضر بالسكان المحليين لتشجع الحكومة على تصليحه بعد ذلك وقد دفع السكان بعض الأرواح ثمناً لذلك الـتصليح، وهذا ما كانت تنتظره السلطات وهذا ما حصل فعلاً، فقد قام شاب بتشغيل دراجته النارية بالقرب من فوهة البنزين لينفجر الأنبوب وينسف جميع الذين كانوا متجمعين قربه وكانت الضحايا بالعشرات قضوا حرقاً بالبنزين الملتهب. ولم تذكر هذه الحادثة شأنها شأن جميع الحوادث المماثلة من قبل أية صحيفة محلية أو عربية أو عالمية.!؟

إن الأضرار الجانبية أو المردودات السلبية سواء القائمة أو المحتملة في جميع مشاريع الطاقة والإنشاءات في إيران فإنها أذا ما تعرضت لمخاطر الإنفجار أو الإنهيار أو ما الى ذلك من الحوادث أو الكوارث المحتملة فإن الإيرانيين من القومية الفارسية سيكونون آخر المتضررين منها، وهكذا فإن إختيار موقع مفاعل "بوشهر النووي" لم يكن عشوائياً أو بدون تخطيط عنصري شيطاني مسبق، فإذا ما حصل أي إنبعاث إشعاعي ولأي سبب كان فإن المتضرر الأول سيكونون هم العرب الذين أصبح هذا المفاعل منصوباً في وسطهم وبين ظهرانيهم سواء كانوا في إقليم الأحواز أو في دول الخليج العربي أو في العراق.

ما أكثر حوادث الطرق في إقليم الأحواز المبتلى، وإذا أقيمت إحصائية حول نسبة الحوادث المرورية في عموم إيران فإن هذا الإقليم سيأخذ النصيب الأكبر منها، تليه بقية الأقاليم التي تسكنها غالبة من غير الفرس، ومن التعابير المألوفة في الأحواز في تسميات أسباب الوفياة عند السكان هو تعبير أن فلاناً [طك تصادف] أي حصل له حادث إصطدام، إضافةً الى الأسباب غير الطبيعية الأخرى كالإعدام أوالموت في السجن "الزندان" المؤبد أو المرض "وما أكثر المرضى هناك" أو بسبب جرعة عالية من المخدرات، وغير ذلك كثير.
ومن بين أسباب حوادث الطرق هناك هو جعل معظم الطرق المحلية للمدن والتي تربطها بغيرها من المدن تتقاطع بشكل مفاجيء مع الطرق البرية "الهاي وي" التي تقطع المدن والتي تستخدمها الشاحنات الكبيرة في الغالب، مع عدم وجود إشارات ضوئية تنظم حركة السير. كما أن اللوحات (الإرشادية) لا يمكن الإعتماد عليها تماماً في مثل هذه الأحوال، إضافة الى أن معظمها قد زالت معالمها لقدمها ولسوء المواد العاكسة "الفسفورية" المستخدمة فيها.

إن الذين ينجون من الموت المباشر في مثل هذه الحوادث ويتطلب الأمر إجراء عمليات جراحية لهم في المستشفيات "البيمارستان" وكذلك جميع من يتم إجراء عملية جراحية له لأي سبب كان، فإذا ما توفي المريض أو المصاب جراء فشل تلك العمليات "وعادة تكون نسبة نجاحها قليلة جداً" فإن على ذوي المتوفى أن يدفعوا ثمن تلك (العملية الجراحية) حتى وإن كانت فاشلة ولم تفلح في الحفاظ على حياة المصاب أو المريض!. والذين يتوفون فإن على ذويهم أن يدفعوا أجرة "الثلاجة" التي يحفظ فيها الموتى في المستشفيات عن كل يوم وبخلاف ذلك "أي في حالة عدم دفع أجرة العمليات الجراحية الفاشلة أو أجرة الثلاجة" فسوف لن يتم تسليم جثة المتوفى إلى ذويه أبداً، ولن يعرف مصيرها ولا في أي مكان "دفنت"!.

رغم أن المخدرات وبكافة أنواعها منتشرة وبكثافة في إيران، ألا أن إقليم الأحواز يأخذ الجزء الأكبر في نسبة المتعاطين لها والمدمنون عليها، والسلطات الإيرانية تغض الطرف عن عمليات تهريبها الى هذا الإقليم بشكل خاص.!!؟
المخدرات هناك تباع على الطرقات وفي الأزقة ولا يكاد يخلو حي أو زقاق من واحد أو أكثر من التجار الصغار والذين يبيعون هذه السموم بأسعار تنافسية بحيث تكون في متناول حتى تلامذة المدارس.!؟
إن نسبة متعاطي المخدرات المدمنين من البالغين من الذكور [20-50 سنة] في الأحواز لوحدها يفوق السبعين بالمئة من السكان من نفس الفئة العمرية، كما أن نسبة المتعاطيات المدمنات من الأناث البالغات [30-50 سنة] لا تقل عن الثلاثين في المئة من نفس الفئة العمرية من السكان. والمادة الشائعة هناك هي ما يسمى "الترياق" المستخرج من نبات "الخشخاش". بالإضافة الى مواد "الحشيشة والهيرويين" وغيرها من المواد الفتاكة.
النسب أعلاه ليست مأخوذة من إحصائية دقيقة وإنما هي تقدير فردي وقد تكون أقل أو أكثر من ذلك.
إن الذين لا يتعاطون المخدرات هناك فإنهم يمثلون الحالة الشاذة أو الإستثنائية، لأن الحالة الإعتيادية أو الشائعة هي حالة المدمنين الذين يسموهنهم محلياً "المعتادية" المأخوذة من مفردة "معتاد" بالفارسية والتي تعني "المدمن".!؟

إن هذه الظاهرة الخطيرة تخدم عادة الحكومات الإستبدادية والتضليلية لتمارس من خلالها أنواع القهر والإذلال للشعوب، فشعب الأحواز يعيش معظم أبنائه في عالم آخر من الخيال واللاواقع، فلا يفقهون من كثير من شؤون هذا العالم إلاّ النزر اليسير.
إن سكان الأحواز يعيشون خمسمئة سنة متخلفون عن ركب الحضارة الإنسانية، فهم مقطوعون عن العالم الخارجي، وكأنهم يعيشون في سجن ضخم رهيب إسمه "خوزستان"، وسجانهم عديم الرأفة والشفقة والإنسانية، وقلبه أشد قسوة من الحجر الصوان.
لقد نخر السوس الفارسي في صلب شخصية الإنسان العربي هناك وأستلبوا من النفوس كل عوامل اليقضة والمعرفة والوعي والإدراك العميق والحس الحضاري والتواصل مع العالم ومواكبة حركة الحياة، فلا زالت هنالك تعيش حكايات "الطنطل والسعلوة وأم حمارة" والكثير من الخرافات التي يؤمن بها العديد من السكان الى حد بعيد.!؟

ولا غرابة في ما يعانيه الأحوازيون من تخلف خطير وشديد للغاية إذا ما أخذنا بعين الإعتبار أنهم يقعون بصورة مباشرة تحت نير الهيمنة والإستبداد من قبل أشد القوميات عنصرية وشوفينية في العالم وعلى طول التأريخ ومنذ مئات السنين، وكل نظام يمر عليهم يحكم في إيران فإنه يتفنن في إبتداع طرق جديدة للظلم والإضطهاد، وقد فاق هذا النظام الفاشستي العنصري الحالي كل سابقاته من حيث الكيد والمكر والدهاء والظلم والجور والتنكيل.

لقد ترك العرب في كل البلدان العربية ومن قبل جميع الحكومات وعلى مدى التأريخ هذا الشعب العربي الأحوازي الأصيل رهينة الحقد والعنجهية والغطرسة الفارسية المقيتة، ليمارس الفرس فيه كل أنواع القهر والذل والتنكيل. وقطعت الشعوب العربية معه كل سبل التواصل والتفاعل وتلاقح الأفكار والتجديد والأتصال الدائم بالروح العربية وتطلعاتها وربطه بتراثه وتأريخه ومحيطه العربي، والتبادل الثقافي والمعرفي والأخذ والعطاء، بل لم تعره أبسط أشكال الأهتمام.والحق لو أن قوماً غير الأحوازيين تعرضوا إلى ما يتعرضون له كل هذه السنين لمحوا من الوجود، ولكن الأصالة وعمق الوجدان والسمات الرفيعة والخاصية المتميزة والتي يمتاز بها العرب دون سواهم تجعل هؤلاء السكان الأحوازيون يطاولون ويقهرون كل أساليب القهر والتفريس والمحو والإبادة وعلى جميع الأصعدة وفي كل المجالات.

في كل عام وقبيل الأيام العشرة الأولى من شهر محرم "عاشوراء" تتقاطر العمائم البيضاء والملونة من مدينة "قم" الإيرانية بخاصة على مدن وقرى إقليم "خوزستان" الأحواز، فهذه هي أيام صغار الملالي. فالناس هنا على طيبتها وبساطتها والجهل المستشري فيها فإن جميع مدن الأقليم تكون مرتعاً خصباً لآلاف "النواحين والرواديد" الذين يقبضون من خلال إقامة (مجالس العزاء) ملايين التومانات المسلوبة من عرق الفلاحين وكدح الكادحين.

وبالإضافة الى موائد اللحم والثريد، ودجاج الأرياف والدهن الحر، فلن يشغل "الملا" نفسه كثيراً في أمر المبيت أو الإقامة، فالكل يتسابقون لنيل بركات "السيد أو الملا" والذي يمسك له الإبريق والطشت "اللكن" ليغسل يديه قبل وبعد الأكل فإنه ذو حظ عظيم. ناهيك عن ما يأخذه هؤلاء الملالي من أموال هؤلاء المساكين بإسم "الخمس". كما أن من طرق النصب والأحتيال الأخرى الشائعة هناك والتي تزدهر تجارتها في مثل هذه الأيام (الدينية) فإن الملالي يقبضون أموالاً كثيرة مقابل "أداء" الصلاة أو الصوم نيابة عن المتوفين، كل حسب ما يدفعه ذووه، فهذا يدفع مبلغاً معيناً مقابل صلاة شهر يصليها "المعمم" لوالده وذاك يدفع مبلغاً آخر مقابل صلاة سنة أو صوم شهر لمن يريد. فيجمع المعممون من ذلك أموالاً كثيرة ولا يؤدون عنها "ركعة" واحدة لأنهم إذا صدقوا في تأدية ما ترتب عليهم في الإتفاق فإنهم سيحتاجون إلى عشرات السنين من الزمن لأدائها، وأن ينقطعوا لها في صومعة في صحراء "التبت أو الربع الخالي".!؟

الحديث عن الأحواز ومعاناتها بشكل خاص لا يمكن حصره في مثل هذه السطور، وما ذكرته هنا ..أنما هو أبرز ما يتعرض له الأحوازيون من ظلم وإضطهاد على أيدي الفرس المجوس.وسيرد البعض منها في سياق الأحداث والأحاديث القادمة عن مجمل الأوضاع والصور والمشاهد التي رأيتها في إيران.






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:39 PM   #6
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحلقة السادسة

نكمل سلسلة تجربة صديق المرابط العراقية (أبو الدرداء)، في ايران والذي سيكشف لنا اليوم فصلاً جديداً من خفايا وأسرار ما لا يعرفه العراقي عن ايران وعملاءها أتباع الأمس وحكام اليوم..
وقفت مع نفسي متسائلاً عن مدى الجهل الذي كنت أعيشه تجاه إيران والأيرانيين الفرس، وكثيراً ما تذكرت شهداء العراق الذين ضحوا بأنفسهم دفاعاً عن الوطن الذي كنت أنتمي إليه بالإسم فقط، بينما كنت أنتصر مع نفسي لهؤلاء الإيرانيين، ولم يكن لي بحال أن أصدق أي شيء مما كانت تقوله الحكومة العراقية ويقوله أبناءه المخلصون عبر وسائل الإعلام المحلية. مما أتذكره في أيام حرب الثماني سنوات التي فرضها الخميني على العراق ما عرضه التلفزيون العراقي من عملية ربط أسير عراقي بين عجلتين وتقطيع جسده الى قسمين، فقد أشاع الطابور الخامس من حزب الدعوة وغيره من العملاء بأن الحكومة العراقية قد دفعت ملايين الدولارات لإحدى شركات السينما من أجل (فبركة وإنتاج ) هذا الفيلم، وكنت كعادتي من المؤيدين لهذا الإدعاء. ولكن الذي عرفته في أيران ومن خلال الأسرى (التوابين) الذين إلتقيت بهم هناك فإن عملية إعدام الأسير العراقي هذه بهذه الطريقة هي من إبسط ما فعله الأيرانيون بالأسرى العراقيين

وخاصة الذين أسماؤهم مما يبغضها الأيرانيون أو الذين أصروا على عدم السب أو النيل من وطنهم وحكومتهم أو الرئيس صدام حسين "رحمه الله".

لقد كنت أعجب من إنتصار العراق على هؤلاء الإيرانيين، فالحكومة العراقية والقوات المسلحة كانت تقاتل على جبهتين عريضتين في وقت واحد وهما العدو الإيراني وقواته المسلحة، وعملائه المندسين بين أوساط الشعب وأوساط القوات المسلحة العراقية والذين لم يدخروا وسعاً في الغدر برفاقهم أو إرسال المعلومات السرية إلى العدو الإيراني. فكم كان العراق وجيشه الباسل قوياً وصامداً!! ، وكم كان أبناءه الشرفاء متفانون في الدفاع عنه!؟.

لا تحتاج إلى زمن طويل تعيشه في إيران وأنت عربي لتلمس الحقد والعنصرية تجاهك، ورغم ذلك فقد عشت سنين عديده هناك وأنا ألتمس الأعذار والتبريرات لكل ما لقيته من معاناة. فالذي ينشأ على عقيدة خاطئة، وما دامت هي عقيدة وإيماناً لديه فأنه سيضل يدافع عنها إلى أبعد الحدود، كشيء من العزة بالإثم ومحاولة في الحفاظ على الكيان الشخصي والإعتباري الذي بني على هذا الأساس.

كنت مرة مسافراً بالباص مع أحد العراقيين الذين أخذت أبصارهم تتفتح على الواقع الإيراني الذي كنا لا نعلم عنه شيئاً من وراء الحدود، وكان الباص متجهاً من مدينة قم إلى طهران، وكان صاحبي "وهو رجل كبير في السن ومن عشيرة الموسوي " يلبس كوفية سوداء وعقال عربي، فما أن إنطلق الباص حتى بدأ الهمز واللمز والكلمات البذيئة التي يطلقها الركاب تجاهنا، كما أخذ البعض يرمي علينا بعض قشور المكسرات "الكرزات" ومنهم من الذين يجلبون كأساً من الماء من البراد الذي قرب السائق وما أن يمر بجانبنا حتى يتظاهر بالإرتجاج من حركة الباص ليسكب شيئاً من الماء على هذا "السيد".!؟
وعندما وصلنا إلى طهران صادف أن مررنا بإحدى الحدائق العامة هناك وإذا بالحصى والحجارة ترمى علينا من بعض الجالسين الذين يتحاشون أن نراهم حين يطلقونها علينا، والضحكات المستهزأة والكلمات النابية والتي أذكر منها: "كز به ريشت عرب" ومعناها (ضـ..ة بلحية العرب). فأسرعنا الخطوات تحاشيا للأسوأ من ذلك، كما أننا نعلم أنه إذا جائت الشرطة فلن ينصفنا أحد وسنكون نحن المذنبين في كل الأحوال.

من النادر جداً أن يجلس رجل في حديقة في طهران من دون أن يتعرض "لتحرش" من إحدى بائعات الهوى، أو عرض من باعة المخدرات المتجولون..!؟ في بلد المفروض يدعي أنه اسلامي..!؟ ولكثرة المدمنين هناك فإنه في بعض الأماكن "وهي حدائق عامة عادة" فإن بيعها وتعاطيها يكون علناً وأمام الأنظار، ولو أن الحكومة تعرضت لهؤلاء المدمنين لتسبب ذلك في إثارة الشارع الطهراني ولأصبحت قضية كبيرة ليست في صالح نظام الملالي، لأن المتعاطين للمخدرات هناك بالآلاف ومن كل الفئات والشرائح والقطاعات.!؟ لا يخفي الأيرانيون وفي طهران خاصة معاناتهم من نظام الملالي وترحمهم على أيام حكم الشاه، وكثير منهم من يقول: " أننا ندفع ثمن خطئنا في الثورة على الشاه"، ومنهم من يؤيد تلك الثورة ولكنه يؤكد على أن الخميني "سرق" ثورة الشعب.

سمعت مرة من أحد المتحدثين في مكان عام نقلاً عن إحدى سمسارات الهوى والتي هجرت ما كانت عليه لكبر سنها قولها: أنها كانت في زمن الشاه تتحايل وتتوسل ببائعات الهوى "ليعملن" معها، ولكن في زمن (الجمهورية الإسلامية) فإن بائعات الهوى قد أصبحن "لكثرتهن" يتوسلن بها ويتحايلن عليها "لتشغيلهن" معها.!؟
عندما تسير في شوارع طهران فإنك لا تشعر بأنك في بلد إسلامي أبداً ما عدا صور الخميني والخامنئي وشعارات (الجمهورية) التي تراها في كل مكان. الناس متذمرون بشكل كبير جداً من هؤلاء الملالي، ولا يخفي المجتمع ذلك، وكثيراً ما يجاهر الناس بالحديث علناً عن كرههم لذلك النظام.
وبالنسبة للمرأة فإن من أشد ما تعتبره النساء في طهران مما يقيد حرياتهن هو "الحجاب"، وقد أنحسر هذا الحجاب تدريجياً بحيث لم يعد الآن سوى قطعة من القماش الملون "إكسسوار" تضعه المرأة هناك على جزء من مؤخرة الرأس.

وأما الخمور فإن إنتشارها في طهران يضاهي أكبر المدن الأوربية، وعادة يتعاطى الخمور المستوردة "والتي تكون غالية الثمن" أصحاب الدخل العالي وكبار الموظفين، وكثير من الملالي الذين أفتوا شفهياً بجواز تناولها في ظروف معينة، بينما يتعاطى أصحاب الدخل المحدود أو الفقراء الأنواع التي يتم تصنيعها محلياً داخل البيوت.

الإسلام لدى الفرس هو سياسة بحتة وليس خلق. فحتى "المتدينين" من عامة الناس فإن (تدينهم) هو فقط ليظاهوا به العرب أو أبناء السنة بشكل عام. فالعنصرية الفارسية لا تجد لها في الإسلام مكان سوى في هذا الفكر "الشيعي"، فهو أنسب السبل للتعامل بإزدواجية عنصرية مغطاة بغطاء الدين.
ولكن الأمر يختلف تماماً بالنسبة للمسلمين السنّة في إيران من الذين ينتمون إلى القومية الفارسية "ومنهم الملايين في طهران" فإنك لا تجد فيهم أية عنصرية ألبته {سبحان الله}، الإسلام الحقيقي يصهر كل الإنتماءات وكل النزعات في بودقة الإيمان والخير والفضيلة. ولقد كان لمعرفتي بهؤلاء الأيرانيين السنة الأثر الكبير في محبتي للإسلام "السني" وما يجسده على أرض الواقع من التحاب والتوادد بين الذين يدينون به دون النظر إلى إختلاف أجناسهم وأعراقهم ونحلهم، ولا شك إن هذا هو الإسلام الصحيح.
أن الحديث عن معانات أبناء السنة في إيران أمر في غاية الأهمية، ولذا فقد رأيت أن أفرد له حلقة خاصة للحديث إن شاء الله.

من الحوادث التي أذكرها في إيران ما حصل لي ذات ليلة وقد كنت مسافراً في سيارة باص "أتوبوس" من طهران إلى أصفهان، وقد صادفنا في الطريق حادث مروري "شاحنة مقلوبة على الطريق" وكان السائق وهو فارسي قد عرف أنني "عربي" ، وعندما توقف الباص عند موقع الحادث فقد نزلت أتمشى قليلا لأحرك قدماي من تعب الجلوس على الكرسي. وعندما رأى السائق في المرآة أنني أبتعدت قليلا عن الباص فقد حرك السيارة بأسرع ما يمكن فلم أستطع أن ألحق بها، وهكذا فقد قضيت الليلة في البرد القارص وعلى أصوات الذئاب والثعالب والحيوانات البرية التي صرفتها بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى. ولم أكن أستطيع أن أشير إلى السيارات القادمة الأخرى حيث أن أوراقي الشخصية مثار جدل وسؤال، كما أنني أتوقع الأسوأ فالأسوأ إذا ما وصل الأمر إلى الشرطة أو أية جهة أمنية. لقد كانت ليلة ليلاء فعلاً لا يمكن أن تمحى من الذاكرة. ومثل هذه الأعمال تتكرر لي ولغيري عشرات المرات في دولة "ولاية الفقيه ووكيل الإمام الغائب".

المدعو محمد باقر الصدر والذي كان يقول: ( ذوبوا في الخميني كما ذاب هو في الأسلام)..!؟ فإنه وفي كل إيران لم أر له إلا صورة واحدة في جنوب طهران "حيث يعيش الفقراء عادة" وهذه الصورة مرسومة على حائط قذر في منطقة فقيرة جنوب طهران حيث توجد علوة لبيع الخضار، وعادة ما ترى تحت هذه الصورة مجموعة من الحمير المربوطة والتي يستخدمها البقالون في نقل مشترياتهم من الخضار ومواد البقالة.صورة بائسة واحدة ليس في طهران فقط وإنما في كل عموم ايران.!؟
وكي نختصر المشهد.. لشدة المعاناة والشعور بالتمييز والإضطهاد الذي كنت أعانيه في إيران وبدافع التخفيف من الأذى الذي يلحق بي بأستمرار فقد فكرت مرة أن أغير هيئتي وأظفي عليها الكثير من الملامح الأوربية، وفي طهران حيث أنني أجيد اللغة الأنكليزية "حيث أكملت الدراسات العليا في أحدى جامعات بغداد" فكنت أدعي بأنني سائح بريطاني من أصول تركية، وهذه الطريقة مكنتني من معرفة الكثير عن الأيرانيين ومنها أنهم يشعرون بكثير من التواصل والتقارب مع الأوروبيين، ويجاملونهم كثيراً، وعندما كنت أسأل أحداً عن مكان ما فقد كان يجهد نفسه لأيصالي إلى المكان المقصود أو يأخذني إليه بسيارته الخاصة وقد قضى الطريق بالدردشة الناعمة عن أوربا وكيف أن الملالي قد خربوا معالم إيران التي لا تقل عنها حضارة، وأحيانا يدعوني إلى تناول الشاي في أحدى المقاهي أو التعارف على أفراد العائلة.!؟

ومن الطرائف "وهذه ظاهرة مألوفة في طهران والمدن السياحية الأخرى خاصة " فقد أستأجرت سيارة تاكسي وطلبت من السائق وبالإنكليزية طبعاً "والطهرانيون معظمهم يجيدون التحدث بالإنكليزية" أن يوصلني إلى مكان ما، فطلب مبلغاً كبيراً قائلاً أن المكان الذي أقصده بعيد جداً، فأخذ ذلك السائق يدور بي ما يقارب الساعة عرضاً وطولاً في شوارع طهران. وقد تبين لي في ما بعد أن المكان الذي أوصلني إليه لا يبعد سوى عشرة دقائق مشيا على الأقدام.!؟
مرة قال لي أحد سواق التاكسيات "بأعتباري سائحا أجنبيا": هل تعلم أنني لو كنت أملك هذه العمارات التي تراها لأعطيتها لمن يخرجني من ايران!
فقلت له: لماذا؟
فأشار بيده إلى رأسه "بطريقة تمثيلية ساخرة" ليمثل لفة العمامة وقال: "ملالي!" "لقد أصبحت إيران سجن كبير" فقلت له: لماذا أذن تخرجون في التظاهرات عندما يطلب الخامنئي ذلك ما دمتم لا تحبون هؤلاء الملالي؟!
فقال: لأنه يمثل الآن وطننا ايران، ويجب أن نظهر بلادنا قوية أمام العالم!؟
الخامنئي سيرحل يوما ما ولكن ايران ستبقى لنا!؟
فتذكرت نفسي عندما كنت في العراق أيام الحرب وأنا أتمنى دخول القوات الأيرانية إلى العراق وإحتلاله، كم كنت خائناً وكم كنت تافهاً ومهيناً.

ما أكثر خونة العراق!؟
وما أشد تفانيهم في العمل لصالح أعداءه!؟
، لقد كنت أرى الكثير من (المكاتب ) التابعة لحزب الدعوة والمجلس الأعلى التابع لمحمد باقر الحكيم ومكاتب ما يسمى مجاهدوا الثورة الإسلامية في العراق التابعة لكاظم الخالصي المعروف بأبو زينب وكذلك مكاتب منظمة العمل الإسلامي بقيادة المدعو محمد تقي المدرسي، وكل رؤساء هذه الأحزاب وقياداتها العليا هم من ذوي الأصول الإيرانية عادة بينما جميع كوادرها المسلحة والجاسوسية ممن أمتهنوا الخيانة للوطن الذي رباهم وعاشوا وتربوا على خيراته وعلى أرضه وتحت شمسه وسمائه، ناهيك عن العديد من الأقزام الذين كونوا لأنفسهم جماعات مسلحة تعمل لخدمة الإيرانيين من أمثال المدعو أبو حاتم وغيرها الكثير، بينما لا تجد في العراق ولا في غيره سوى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية والتي لها مشروعها الإيراني الوطني المحض، وليست مرتبطة بأي هدف أو مشروع يعمل لصالح العراق أو أية دولة أجنبية غير إيران.

في كل بلد توجد بعض النقوش والنحوت والتماثيل في المدن والتي تمثل عادة جزءاً من حضارة وتأريخ ذلك البلد، وتعكس طبيعة رؤيته الفلسفية والدينية للكون والطبيعة، والعجيب في طهران فإن معظم النقوش والنحوت والنصب توحي وكأنها "تحارب السماء"، ورغم عدم معرفتي بالديانة المجوسية ومبادئها وتأريخها بشكل كبير إلا إنني كنت أرى من خلال تلك النقوش القديمة بأنها تتشابه في فكرة واحدة وهي التعالي العنصري على بقية البشر والعداء نحو السماء. إنها تقف بالضد من فكرة الإعتقاد بالله أو الإله الواحد، وهذه الرؤية والإعتقاد لا يزال مترسخاً في نفوس وعقول جميع الفرس من الشعوبيين والعنصريين، فهو ملازم لذات الشخصية الفارسية وجزء لا يتجزأ منها، وقد أنعكس كل ذلك على ما أدخله الفرس على الدين الإسلامي الحنيف من خلال مذهبيتهم الصفوية والتي تتمثل بالأفكار والمفاهيم الشركية والصرف عن فكرة التوحيد والتطاول عليها بشتى السبل، سواء من خلال ما يسمونهم الأئمة المعصومون أو في تلك الشخصية الإبتداعية الخرافية التي يسمونها الإمام المهدي المنتظر.

توجد في المدن الحديثة وفي شتى بلدان العالم بعض "الأشارات المرورية" تكتب على الشوارع باللون الأبيض مثل بيان حد السرعة أو سهم يبين أتجاه السير أو خطوط عبور المشاة...ألخ، ولكن الأمر العجيب والرهيب الذي هالني عندما رأيته هو أنهم قد كتبوا كلمة "مدرسة" في بعض شوارع طهران على أساس أنها أشارة مرورية (للتحذير) من عبور تلاميذ من تلك الأماكن، ولكنهم رسموها على شكل كلمة لفظ الجلالة {الله} وتدوسها السيارات والعربات والمارة أربع وعشرين ساعة.!؟

إن الفرس الصفويون لا يحبون كلمة لفظ الجلالة {الله} بأعتباره اله العرب الذين حاربوا دينهم المجوسي ودمروا إمبراطوريتهم ونقلوا إليهم الدين الإسلامي ، وما هذه الشعارات التي يضعونها على علم إيران وغيره إلا لخداع العرب وتضليلهم من أجل تمرير مشاريعهم العنصرية والشعوبية والتدميرية.

من أسخف السخافات أن شيعة العراق إذا سألت أحدهم: كيف يكون الخميني أو السيستاني أو الخامنئي "سيداً" والنبي {صلى الله عليه وسلم} عربي؟!
فيقول لك : أن هؤلاء "السادة" هم عرب أصلا..!؟.. ولكن أجدادهم هاجروا إلى ايران منذ مئات السنين!. والحقيقة أن الإيرانيين يرفضون تماماً مثل هذا القول ويعتبرونه إهانة قومية لهم، حيث أن العامة من الناس "وخاصة المتدينين" يعتزون بهم على أنهم فرس "ينحدرون" من نسل الإمام زين العابدين {رضي الله عنه} حيث كانت أمه إبنة كسرى الفارسي، أو أنهم "سادة" بالأحقية أو "الأعلمية" أو أنهم ولدوا في يوم الجمعة بمناسبة يكون المولود فيها "سيداً" وما إلى ذلك، أو أنهم "سادة" وحسب، وإما القول بأنهم عرباً في الأصل فهذا مما يعتبر إهانة لهم وللأيرانيين الفرس، وقد تسبب قولي مثل ذلك ذات مرة لأحد الإيرانيين بمشادة كلامية حمدت الله تعالى أن إنتهت على خير.

لا يعلم إلا الله مدى الحقد الذي تكنه صدور الفرس الشيعة تجاه الإسلام ورموز الإسلام سواء الرسول {صلى الله عليه وسلم} أو صحابته {رضي الله عنهم} أو القرآن الكريم أو القادة المسلمين ولكن بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، وأشد ما يكرهون هو سيدنا عمر بن الخطاب يليه أبو بكر الصديق ومن ثم عثمان بن عفان {رضي الله تعالى عنهم أجمعين} ومن زوجات الرسول عائشة وحفصة {رضي الله عنهن}. ويقيم الأيرانيون في مدينة كاشان مزارا ومرقدا لأبي لؤلؤة المجوسي الذي قتل سيدنا عمر {رضي الله عنه} ويسمونه "بابا شجاع الدين" وينعتونه "الصحابي الجليل"، وعندما تسمع قراءة "زيارته" تشعر وكأنها من تلك "الزيارات" التي يقرأها الشيعة في مختلف المناسبات لأل البيت {رضي الله عنهم}، بل وفيها الكثير من الإسهاب والخصوصية.

يوم الجمعة هو أتعس يوم في الأسبوع بالنسبة للمجتمع في طهران، حيث يتبرم الأهالي من إغلاق العديد من الشوارع وتغيير مسارات المرور، وكثيراً ما يتأفف السواق والمارة من هذا الحدث. إن الذين يحضرون (صلاة الجمعة) والتي تقام داخل بناية جامعة طهران فأن ثمانين بالمئة منهم تقريباً هم من الشيوخ والعجائز المتقاعدين والذين تدفع لهم الحكومة رواتب تقاعدية رمزية، وإذا لم يحضروا إلى هذه (الصلاة) فإن رواتبهم ستكون عرضة للقطع أو النقصان، ويجلس أمامهم عادة في الصفوف الأولى أزلام النظام والمنتفعين من وجوده للتغطية الإعلامية. كما أن الذين يقومون بتصوير هذا الحدث هم من خبراء التصوير بحيث يعطون المشاهد عبر وسائل الإعلام إنطباعاً مموهاً على أنها صلاة "مليونية"، وقد أندهشت عندما رأيتها لأول مرة فقد كانت أبسط بكثير مما كنت أتصورها، كما أنها (صلاة) إعلامية وسياسية وليست عبادية أبداً.

لا يمكن للفارسي الصفوي أن تنسجم نفسه تماماً مع الدين الإسلامي على ما هو عليه تعاليم ومباديء من دون أن يحرف فيه أو يضيف عليه أو ينقص منه بما ينسجم مع طبيعته القومية العنصرية، ومن مظاهر ذلك التمرد والإنحراف هو هذه "التربة" التي إبتدعوها ليضعونها تحت جباههم أثناء "الصلاة"، فبغض النظر عن كونها مما يدخلونه على الدين من شركيات فإن الفرس يستنكفون أن يسجدوا لأله العرب بنفس المقدار من الطاعة والسجود على الأرض البسيطة مع المسلمين العرب، لذا فقد أابتدعوا هذه "التربة" ليرفعوا جباههم قليلا عن مستوى سجود العرب وعامة المسلمين. ومنهم من يضع عشر ترب الواحدة فوق الأخرى حسب الرغبة في الإستعلاء. وهذه هي النتيجة التي خرجت بها من فحوى العديد من المناقشات مع الأيرانيين، والحس الذي رأيتهم يحملونه نحو الإسلام عن كثب..


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحلقة السابعة

من الأمور التي كانت تثير في نفسي الحيرة والتساؤل وتغرس في وجداني السهام تلو السهام وفي مدى إيماني بالله تعالى وبكتابه الكريم هو ما أعيشه على أرض الواقع وما بين ما تقوله الآية الكريمة: {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة} فكل ما أجده في إيران ضيق وحرج وعسر وشدة وتمييز ومحاربة في الرزق والمعيشة وإمتهان للحرية والكرامة، وقد كان يشاركني هذا الشعور العديد من العراقيين من غير "المسفرين"، وقد إرتد الكثير منهم عن (دينهم) لهذا السبب، ولا أقصد أنهم تركوا التشيع وإنما كفروا بالله تعالى وبالدين كله، فالدين الذي تربوا عليه ولم يتسنى لهم أن يعرفوا أو يفهموا غيره هو هذا الدين الصفوي الذي يصدره أحفاد كسرى أنوشروان. وهكذا فقد عاشوا في إيران عيشة الصعاليك، وتشتتوا إلى الشرق والغرب بطرق أدت إلى أن يفقد الكثير منهم حياتهم، وسأتحدث لكم عن ذلك بشيء من التفصيل في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

نعود إلى تلك الآية الكريمة، فقد زال كل ذلك العجب والتساؤل والإستغراب والحيرة عندما علمت بأنني لم أكن "مهاجراً" في سبيل الله أصلاً وإنما في سبيل خيانة الله والدين والوطن، ومن أجل أعين الفرس العنصريين المجوس.

أن الفرس يتعاملون مع الإسلام من منطلق تعاملهم مع العرب، فلو أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم قد بُعث من غير العرب وأن أمة تكلفت وتحملت عبء نشره غير أمة العرب لكان للفرس مع الإسلام تعاملاً وشأناً آخر مختلف تمام الإختلاف. إن الخطأ الجسيم الذي وقع ويقع فيه العرب هو أنهم ومن حيث يأمرهم دينهم بذلك فإنهم يتعاملون مع الفرس تعاملاً إسلامياً صرفاً بكل ما تحمله سماحة الإسلام الحنيف ظناً منهم بأن الفرس مسلمون، وأن الإختلاف معهم لا يعدو عن كونه إختلافاً في الفقه لا غير، بل ويحارب الإسلاميون العرب كل دعوة قومية، بل وقد يكفَرون كل من يمكن أن يحمل في قول أو فعل أية دلالة قومية. وكلما قال أحد كلمة "الفرس" قال له أحد المسلمين مستشهداً بالآية الكريمة: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} حاملاً على الإطلاق أن الفرس كلهم أتقياء ولكنهم يتفاوتون بدرجة (التقوى) ومنكراً على كل من يشير إلى تعدد تلك الشعوب والقبائل التي أشار إليها القرآن الكريم.

بل أن هؤلاء الذين يتشدقون بـ"لا قومية الإسلام" فإنهم لا يثيرهم ذكر أية أمة من الأمم مثلما تثيرهم كلمة "الفرس"، فقل ما شئـت...هندياً، باكستانياً، بنغالياً، تركياً، فلا ضير ولا حرج، ولكنك عندما تقول "الفرس" فقد أصبحت من دعاة العنصرية والقومية وخرجت عن دين المسلمين.

إن السبب في ذلك يكمن في أن لا يد لأحد من أي من الأمم والشعوب مثلما للفرس المجوس من يد في الإسلام، فقد أوغلوا في مجوسيتهم في الإسلام حتى صارت المجوسية ديناً عند البعض يدافع عنها مستميتاً جهاراً عياناً، بينما لم ولن تجد أحداً من المسلمين من يدافع عن "نزعة تركية" أو "هيمنة إندونيسية" أو "نعرة أفغانية" أو "عادات ماليزية" مثلما يفعل أولائك المتسيلمون الصفويون المندسون ما بين المسلمين العرب.

لقد آن للعرب "رغم أن ذلك متأخر جداً" أن يحيوا عروبة الإسلام، ولا أقول إسلام العروبة، فلم يكن إختيار الله تعالى للعرب نبياً وصحابة ولغة رسالة وأمة ركبت البوادي والبحار لنشر رسالته سبحانه وتعالى من دون حكمة وتقدير "حاشا لله"، فلماذا لا يقف العرب عند مقتضيات هذه الحكمة الإلهية؟! ولماذا لا يعطي العرب للإسلام في حاضرهم ما أعطاهم الإسلام في ماضيهم؟!.

لقد قال أحد حكماء المسلمين العرب: "إن الإسلام يقوى إذا قوي العرب ويضعف إذا ضعفوا"،فلا عزة للعرب بغير الإسلام ولا عزة للإسلام بغير العرب، وقد فطن أعداء الإسلام إلى هذه الحقيقة فدأبوا وبكل الوسائل إلى الفصل بين العروبة والإسلام للنيل من كلاهما معاً.

لقد أستغل الفرس "لا قومية" الإسلام إستغلالاً قومياً شعوبياً خبيثاً ودقيقاً للغاية بعد أن لبسوا العمائم وأعتلوا المنابر، وإستطاعوا أن يحشدوا الملايين للطعن والقذف والسب واللعن في دين الإسلام والمسلمين الذي يعتبرونه دين العرب، فيالثارات كسرى أصبحت يالثارات (الحسين)، فما من أحد من أتباع الفرس الصفويين يسمع هذا الهتاف إلاَ وينصرف ذهنه وتلتفت عينيه ويسن أنيابه على أمة "لا إله إلا الله...محمد رسول الله" التي يزيد قوامها اليوم على أكثر من مليار ونصف مسلم.

قد يعتقد البعض أن الطبقة المتدينة في ايران من الذين يتعاطون مع الدين هم من أبعد الناس عن النزعات القومية أو العنصرية مثلما يفترض أن يكونون على أعتبار أن الإسلام يصهر الشعور بالنزعة القومية أو على الأقل يصقلها ويوجهها الوجهة الخيرة التي أُرسلت من أجلها جميع الأديان السماوية، ومثلما هو الحال في نظرة الشعوب العربية الأسلامية. ولكن في أيران فأن رجال الدين هم أشد الناس نزعة وتبنياً للمشروع القومي الفارسي في أيران، وهنا يكمن الخطر الأيراني الحديث في تغلف العنصريين الفرس بلباس الدين.

لقد أثار إنتباهي في إيران وفي طهران خاصة أمر في غاية الأهمية والخطورة، وهو أنني وجدت أن الفرس الصفويين عندما يبنون المباني فأنهم يحرصون دائماً على أن يجعلون موقع المرحاض "المرافق الصحية" بإتجاه القبلة! ، نعم بإتجاه القبلة، وهذه المباني ليست واحدة أو إثنتان حتى يتيه عنها أو يتنصل من قولها أو ينكره الفقير إلى رحمة ربه أبو الدرداء بل هي تشكل ما نسبته "وخاصة في طهران" أكثر من ثمانين بالمئة من المباني الحكومية كالوزارات والمؤسسات والمستشفيات والمدارس وكذلك (المراقد) والحسينيات وبيوت المعممين بشكل خاص وما شذ عن ذلك فإنما تفرضه الضرورات الهندسية في التصامبم، فإذا أردت الصلاة في طهران "خاصة" وأردت أن تعرف إين يكون إتجاه القبلة فإتجه نحو موقع المرحاض بالنسبة للمكان الذي أنت فيه لتصلي والمرحاض أمامك. فالكعبة ليست عند الفرس الصفويين قبلة المسلمين، وإنما "كعبة العرب" وما يذكرونه في كتبهم وما سيفعله "مهديهم" فيها 'ند "ظهوره" ليس بالمخفي. فهل يعرف المسلمون وخاصة العرب هذه الحقيقة على أرض فارس؟ وإذا عرفوها فماذا تُراهم فاعلون؟.

ويا حبذا لو نقوم بجولة في طهران أنا ومجموعة من "دعاة التقريب" وخاصة "شيخ الأزهر الحاج الطيب" والشيخ القرضاوي لنزداد تقرباً إلى مرحاض كسرى، وهذه الدعوة مفتوحة من هذا المنبر الشريف إلى كل من يدعي إسلام الفرس المجوس أو ينكر ما أقول إن كانوا فعلاً صادقين.

كذلك وطيلة وجودي في إيران لأكثر من عشر سنين فإنني لم أجد فارسياً صفوياً واحداً قط إسمه مما عُبَد لله تعالى من الأسماء كعبد الله أو عبد الكريم أو عبد الرحمن أو عبد السلام أو أي إسم آخر مما عُبد لله من الأسماء، بل ويمنعون تسجيل تلك الأسماء في دوائر النفوس، مما يظطر الإيرانيين من غير الصفويين من تسمية أبنائهم بإسمين إثنين أحدهما يُتعارف عليه بين الأهل والأقرباء والآخر يسجلونه أعتباطاً في دوائر النفوس، وهذه ظاهرة مألوفة في إيران.

كما أن الفرس لا يوافقون في دوائر النفوس كذلك على تسجيل الأسماء التي لا يرغبون بها وخاصة في إقليم الأحواز المحتل والتي لها دلالات أو معان سامية مثل حسام ومهند وغسان وعدي وليث وصهيب، وغيرها الكثير.

كنت مرة أبيت في أحد الفنادق قريباً من جامعة طهران حيث شاركت في (صلاة الجمعة) في الأيام التي كنت ذائباً فيها في الأسيد الصفوي، وبعد أن أردت الانصراف صباحا وحيث أخبرتهم في الليلة التي سبقت بأنني مغادر في صباح الغد، أخذت أحاسب الموظف المسؤول وأعطيته أجرة المبيت، فكنت كلما أطلب منه بطاقتي التي كنت أتحرك بها في ايران فإنه كان يغيَر الحديث ويفتح مواضيع مثيرة وساخرة ومضحكة ليظهر لي "لطفه وتودده"، ولكن تبين أن كل ذلك كان من أجل أن ينسيني البطاقة، وبالفعل فقد نسيتها لدى إدارة الفندق. وهكذا أنصرفت لم اتذكرها إلا في ما بعد ظهر ذلك اليوم، وعندما رجعت إلى الفندق لأسترد البطاقة فقد قال لي مسؤول الأستعلامات: "إنك لم تخبرنا بأنك مغادر حتى نتصرف بالغرفة التي كنت تشغلها، والدليل أن بطاقتك لا تزال هنا ولذا يجب عليك أن تدفع أجرة هذا اليوم".!؟
وقبل أن أحاول الدفاع عن نفسي فقد حظرت الشرطة، حيث رأيت رجلاً يجاوز عمره الستين سنة من إدارة الفندق وسمعته وهو يتصل بالشرطة. ويوم يجر يوم في التوقيف حتى صارت المدة سنة وشهر وبضعة أيام (على ذمة التحقيق). وكلما كانوا يرسلونني إلى دائرة أو جهة (قضائية) فأنهم يكلفون أصغر الشرطة سنا وأقبحهم شكلا وأوضعهم خلقاً ليضع بيدي "الكلبجات" ويدور بي في شوارع طهران وهو يمشي متفاخرا بأنه يجر هذا العربي بهذه الطريقة، حيث يلحون علي قبل كل مرة قبل الأنطلاق من مركز الشرطة "كلانتري" الذي كنت موقوفاً فيه بأن ألف على رقبتي كوفية عربية عتيقة. وفي كل مرة يقول لي هذا الصبي الذي يرافقني عندما نعود: "مبارك، فردا تو آزادي" مبروك أنت غدا حر، ليلعبوا بأعصابي وهم يتنابسون ويتضاحكون.

وفي آخر جلسة (قضاء) فقد هداني ألله تعالى لما ينجيني مما قد يكون مصيراً مجهولاً، وحيث أنني صرت أخمن وأحدس ما يدور في عقول الأيرانيين "من خلال المعاشرة الطويلة".
سألني القاضي: هل أنت متزوج؟
قلت: نعم
قال: وهل عندك أطفال؟
قلت: نعم
قال: أين تعيش عائلتك؟
وهنا فكرت بأنني إذا قلت له بأن عائلتي تعيش في إيران فسوف "يتلفني" يقذفني إلى العراق " للم الشمل على الطريقة الأيرانية" فقلت له: عائلتي تعيش في العراق، لأنني متأكد أنه سيجعلني ما أمكن بعيدا عن عائلتي لما في ذلك من معاناة ألم الفراق "كما سوف يظن". وقد حصل ما توقعته بفضل الله وسعة رحمته فقد أمر القاضي بإطلاق سراحي مع دفع أجرة مبيت يوم لصاحب الفندق وغرامة مالية للتسبب بإزعاج السلطات الإسلامية، وإعفائي من التسفير.

وهنا لابد لي أن أذكر شخصاً إيرانياً من أبناء السنَة في طهران وهو رجل فارسي وقد رآني وعرف قصتي في التوقيف حيث كان هو الآخر قد توقف لأمر ما لبضعة أيام ثم أُفرج عنه، فقد كان يقاسمني طعامه في التوقيف، ويحرص أن يكون حاضراً في كل دائرة قضائية يرسلونني إليها ليقدم لي الطعام "السندويتشات" والسجائر و"يأخذ بخاطري"، وأقسم بالله العظيم بأنني الآن في هذه اللحظة وأنا أتذكره وأكتب عنه فقد أحسست بالسرور الذي قطع مرارة تلك الذكريات التي عانيتها في تلك الأيام المريرة.
ولا أنكر أن معرفتي به كانت واحدة من أسباب هدايتي، فقد وجدت فيه خُلقاً كريماً وديناً عظيماً ذلك الذي يسمى "ألسنة والجماعة" وقد تجسدت فيه كل معاني الخير والمحبة والمساوات لدرجة أنني إعتقدت أنه شخص عربي قبل أن أعرف أنه واحد من عدة ملايين إيراني فارسي في طهران من أبناء السنة، وعندما سألته إن كان في الأصل عربياً فكأنه إدرك السبب من وراء سؤالي وقد إكتفى بأن شد على يدي مع الإبتسام.

الأيرانيون الصفويون عندما يخالفون عامة المسلمين في أشكال العبادات كالدمج في الصلاة وسبل اليدين ورفع الجباه بالتربة، والصلاة في أوقات مختلفة عن الأوقات الشرعية المعروفة وأعلان أشهر رمضان والحج والعيد وغيرها فإن ذلك ليس من أجتهاد فقهي أو شرعي، وأنما فقط للأختلاف عن العرب لا غير، وأما مخالفة شرع الله تعالى فهذا شأن لا يعنيهم.

إن الديانة الحقيقية لدى الصفويين في إيران الآن هي الديانة المجوسية فلا يزال الفرس إلى الآن وفي كل عام منذ اليوم الأول للسنة الإيرانية الذي يسمى "نوروز" أي اليوم الجديد يمارسون طقوسهم المجوسية ومنها القفز فوق النار، ويحتفلون بهذا العيد ثلاثة عشر يوماً يسمونها "السيزده" والتي تبدأ من يوم الحادي والعشرين من آذار وهو أول يوم من السنة الإيرانية حيث بداية فصل الربيع وهو نفس الوقت الذي يحتفل فيه اليهود بعيد الفصح عند دخول فصل الربيع أيضاً، بينما لا يحتفلون بعيد الأضحى الذي يسمونه عيد العرب أبداً، وأما عيد الفطر فهو عطلة رسمية إعلامية فقط وليس عيداً دينياً أو شعبياً، فلا ترى فيه أي مظهر من مظاهر الفرح والإبتهاج قطعاً ما عدا أبناء السنة والجماعة من مختلف القوميات.

يقول العراقيون في الأمثال وللأسف الشديد: "ماكو عجاجة إلاَ من أرض بابل" أي لا تحدث زوبعة إلاَ من أرض بابل، ويضربون المثل عندما يشار إلى جهة ما أو شخص معين بأنه هو السبب دائماً في إحداث المشاكل، ولكن وقفت عند سؤال أحد الإيرانيين في إصفهان وكان رجل كبير السن حيث قال معاتباً بعد أن دار بيننا بعض الحديث وعرف بإنني من العراق: "جرا كفتي هر باد أز زمين فارس آمد أست؟! ومعناها: لماذا تقولون بأن كل ريح عاصف تأتي من أرض فارس؟!، فعرفت أن المثل يُضرب في الأصل في بلاد فارس، وكل شواهد التأريخ تثبت ذلك، ولكن الفرس ألقوه على أرض بابل التي يحقدون عليها ولا يزالون منذ آلاف السنين، ويردد معهم سقط المتاع ممن يُحسبون على العراق من الذين ينعقون وراء كل ناعق، ولا يعرفون من أمور دينهم ودنياهم غير أن يقولون وراء هؤلاء الفرس الذين أهلكوا الحرث والنسل وأحالوا العراق إلى بحر من الدماء وأكوام من الأشلاء وركام من الخراب اليباب: أللهم صل على محمد وآل محمد.

لشدة خوف الفرس المجوس من إختلاط العرق الفارسي "الآري" مع الأعراق الأخرى وخشية إحتمال تداخله مع غيره من الأعراق أو الأجناس فإن الإيرانيين الذين تم ترحيلهم من العراق بعد أن ثبتت عمالتهم لإيران ولكثرة ما أقترفوه من جرائم وخيانة بحق الشعب والأرض التي وُلدوا وتربوا وعاشوا فيها، فإنهم وبرغم أنهم يحتفظون بلغتهم الفارسية الأم وبرغم أن منهم من تم ترحيلهم في عهد الشاه فإنهم لحد الآن لم يحصلوا على الجنسية الإيرانية، والذي يُكتشف بأنه زوّر أو ساعد في تزوير جنسية أيرانية فأن عقوبته هي الأعدام شنقاً، وذلك للحفاظ على "نقاوة" العرق الفارسي الذي يعتبره الفرس مقدساً، ومن هذه القدسية ما أعطوه لمن يسمونهم الأئمة الإثني عشر من إبنة كسرى "حسب إعتقادهم"، والذين تجاوزوا بقداستهم حتى على الذات الإلهية."مع الإحترام لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم".

الغريب أننا في العراق لم نكن نسمع الأيرانيين الذين كانوا يعيشون فيه قبل ترحيلهم، "مع أنهم عادوا الآن وبالملايين ضمن خطة التفريس التي تنفذها الحكومات العميلة لإيران وخاصة حكومة الهالكي والأشيقر" فإننا لم نكن نسمعهم يتكلمون بالفارسية لأن من طبيعتهم الأنسجام والإستعراق الظاهري لضمان العيش والأستقرار على الرغم من حرصهم على إشاعة المفردات الفارسية في الأوساط الإجتماعية ما أمكنهم ذلك، ولكن الذي وجدته في إيران فإن جميع الأيرانيين العائدين من العراق وبمختلف الأعمار فإنهم يتحدثون اللغة الفارسية بطلاقة تامة ولهجة أيرانية صرفة لا تختلف قيد أنملة عن لغة الإيرانيين الذين وُلدوا وتربوا في إيران.. وأما الذي لا يتحدث الفارسية منهم فإن الأيرانيين يعرفون أن هؤلاء ليسوا منهم لأن اللغة هي من أولى عناوين القومية لدى الفرس الصفويين، ولكن هذا لم يمنع من أنهم كانوا يُعاملون معاملة الإيرانيين من حيث العمل والحرية والإحترام، بعكس العراقيين من غير المسفرين حيث كانوا يعانون أسوأ أنواع القهر والتمييز والإذلال، ولكن مع قولهم بعد كل سوط يلذعه الفرس به على ذيولهم: "أللهم صل على محمد وآل محمد".

لم يكن الأيرانيون يوما ينظرون إلى صدام حسين "يرحمه الله" بأنه وكما يدَعون ويخدعون الذين يتبعونهم، بأنه دكتاتور أو كافر أو ظالم أو "ناصبي" أبداً أبداً وأنما يكرهونه ويكرهون العراق بشكل خاص لأن العراق هو بوابتهم الأولى للإنطلاق في مشروع إمبراطوريتهم الصفوية المجوسية، يليه حقدهم الأسود المقيت على خدام الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية والتي هي آخر محطتهم وهدفهم العنصري الشعوبي في حلمهم الأزلي الأبدي، وبيت الله الحرام "الكعبة المشرفة" التي يعتبرها الفرس قلب العرب النابض، وعنوان مجدهم وعزتهم ووجودهم وبقائهم وسؤددهم، فإذا ما تمت السيطرة عليها "لا سمح الله" فقد تمت السيطرة على العرب وكُسرت شوكتهم.

إن المشروع الفارسي العنصري الجهنمي تجري فصوله الآن على قدم وساق، وقد بدأت أولى بواكيره من خلال الهيمنة على العراق بشكل شبه تام ترافقه عمليات التفريس والتي يسمونها "نشر التشيع" والذي ترصد له إيران مليارات الدولارات كل عام بالتعاون التام والشامل مع الصهاينة وجنودهم الأمريكان. إن نظرة بسيطة لخارطة التفريس التي يقوم بها الإيرانيون على مدار اليوم والساعة تُظهر مدى الخطر المحدق والمستوى الذي وصل إليه وأهدافه النهائية.

وإذا ما نظرنا بالمقابل إلى ما يقوم به العرب والمسلمون في مواجهة هذا الخطر المحدق الرهيب فإنهم لا شك بإنهم سوف لن يقولوا غير ما قاله أبو طالب رضي الله عنه عندما رأى زحف جيش أبرهة: "إن للبيت رب يحميه".
وللحديث بقية.






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:41 PM   #7
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

الحلقة الثامنة

لا أعتقد أن هناك موقفاً مرّ علي في حياتي أصعب من أنني وجدت نفسي قد عشت عمري كله مغفَلاً مخدوعاً بهؤلاء الفرس، فالزمن لا يعود إلى الوراء، ولا يمكن نقل معرفة الحاضر إلى الماضي الذي قد سجله التأريخ وإنتهى الأمر. هل يمكنني أن ألوم الإيرانيين على جهلي بهم؟ لقد كنت أشعر في قرارة نفسي بأن الجهل جريمة قد لا يحاسب عليها القانون! ولكن الجاهل لن يفلت من تبعات جهله التي أضرت به وعاقبته إيَما عقاب.
كثيراً ما وقفتُ أمام صور قتلى الإيرانيين في حربهم ضد العراق، والتي لا يكاد يخلو منها مكان، وأنا أتذكر صور "أصدقائي" الذين إستشهدوا دفاعاً عن العراق وعنَي في الحرب التي فرضها الخميني على العراق، ما أعظم دورهم في صدّ الفرس العتاة، وما أقبحني وقد كنت أكرههم وأنا أقف بكل مشاعري في صف هؤلاء الفرس المجوس.

الكارثة التي تحوم في مخيلتي الآن هي أنني قد تركت في العراق الملايين ممن هم على شاكلتي، كما أن الدول العربية فيها الكثير من الذين لا يعلمون ولا يريدون أن يعلمون حقيقة الفرس، وكلهم قد إستطاعت إيران أن تجنَدهم لها كجنود إحتياط في حربها التي لا ولم ولن تتوقف من أجل بسط نفوذها وسيطرتها على العرب الذين تعتبرهم إيران عدوهم التقليدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قلت مرة لأحد (العراقيين) الذين يعملون في ما تسمى "منظمة مجاهدو الثورة الإسلامية في العراق": " لم أكن أتصور أن أجد إيران بهذه الصورة السيئة التي وجدتها عليها" فثارت ثائرته وقال: "إن إيران تضع كل إمكاناتها وقدراتها بين أيدينا من أجل قضيتنا وتحقيق هدفنا في بسط ولاية الفقيه على أكبر مساحة ممكنة من الأرض!"، هكذا أصبح هدف الفرس المجوس وحلمهم في إعادة أمجاد فارس وإحياء إمبراطورية كسرى قضية تخص الكثيرين ممن يُحسبون على العرب والمسلمين.

هل يمكن أن ترفع إيران شعار "النار المقدسة" في تعاملها مع العرب وهي تعلم أن الشعوب العربية تدين بدين التوحيد السماوي؟! لا يمكن هذا بطبيعة الحال، فلابد إذن من إستحداث أسلوب جديد في حربها مع العرب، إنه سلاح من داخل دينهم الذي يدينون به، ضرب الدين بالدين نفسه، وهكذا إستطاعوا فعلاً أن يوجدوا الملايين من أمثالي وهم يطعنون بنبيهم وكتابهم ورجالهم وبتأريخهم، ويأتمرون بأوامر العمائم الفارسية ويدورون مع أهواء المجوس دوران الرحى حول قطبها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

إذا كانت "الأرض بتتكلم عربي" كما يقول الشاعر العربي، ففي إيران فإن "الكل بيتكلم فارسي.. الكل، الكل" فقد إختزل الفرس تأريخ كل الشعوب غير الفارسية وفرضوا عليها "ثقافتهم" ولغتهم ومجوسيتهم، ومن يقاوم أو يمانع فإن مصيره حبال المشانق أوغياهب السجون، إضافة إلى التمييز العنصري القائم بكل الأشكال تجاه تلك الشعوب.

من الأمور التي لا أجد لها تفسيراً إلى الآن هو أن جميع منظمات الأمم المتحدة وسفارات الدول الأوروبية فإنه من المستحيل الإتصال بها أو اللقاء بمسؤوليها دون موافقة الموظف الإيراني في تلك الدوائر، فجميع الإتصالات الهاتفية يتلقاها موظفون إيرانيون مسؤولون يعملون في جميع تلك المنظمات والسفارات، وما إن يعرف ذلك الموظف الفارسي بأن المتصل أو القادم لتقديم طلب أو عرض قضية ما بأنه عربي حتى يصرفه بطريقة أو بأخرى. لقد كنا نقف "أنا والكثير من الذين ضاقت بهم السبل" ونقضي ساعات النهار أمام مكاتب الأمم المتحدة في الأحواز وطهران دون أن نتمكن من الأتصال بأي من العاملين أو المسؤولين فيها من غير الإيرانيين، لقد كانت بناياتها تبدو وكأنها قلاع حصينة من قلاع الروم القديمة يصعب بل يستحيل إختراقها. وهكذا فلا أعلم أن أحداً إستطاع أن يوصل صوته إلى هذه "المنظمة" الذائعة الصيت، أو أية سفارة من تلك السفارات الأوروبية.

لقد كنت أنا والكثير من الذين لم يستطيعوا المطاولة أكثر في مسايرة الأوضاع نشعر بأننا في سجن كبير وبين فكي كماشة من الصعب الإفلات منها، كان يمكن للإيرانيين أن يلقوا بنا على الحدود العراقية، ولكنهم كانوا يتلذذون بمعاناتنا، فهذه مشاهد تثير النشوة في نفوس الفرس الصفويين وهم يرون هؤلاء "العرب" بهذه الأحوال المزرية، ويمارسون عليهم كل أحقادهم المجوسية، كما أنهم كانوا يستلمون مبالغ كبيرة من قبل بعض المنظمات الإنسانية لا يُعرف مصيرها، علاوة على إستخدام الغالبية من (العراقيين) "وهذا هو الهدف الرئيسي" في تنفيذ المخططات الشريرة تجاه العراق.

كان ساحل "بندر عباس" في جنوب إيران هو المنفذ الأجدر بالمحاولة للتخلص من هذا السجن، فقد كنا نسمع بأن الذين فشلوا في الهرب عن طريق الحدود الباكستانية الشرقية وتم إلقاء القبض عليهم فقد تم تسليمهم إلى مقرات "حزب المؤتمر الوطني التابع للمدعو أحمد الجلبي" التي تنتشر في شمال العراق، فكان الكثيرون يذهبون إلى ميناء "بندر عباس" ويعملون هناك كحمَالين "عتالين" في تفريغ وتحميل السفن التجارية القادمة من أقطار الدنيا، وما إن تسنح غفلة عن الأنظار حتى يندسون في قاع الباخرة التي قد علموا جنسيتها من العلم الذي ترفعه، وكل ذلك يتم بدفع الأموال والإتفاق مع المقاولين من غير الفرس الذين يعملون هناك بحيث تُعطى فرصة واحدة مقابل مبلغ معين من المال، فإن نجحت المحاولة فكأن الإنسان عصفور وقد أفلت من القفص وإلاً فالمصير هو الجلد والسجن والإهانة على أيدي السلطات الأمنية المحلية الإيرانية.

لقد توفي الكثير داخل "كابينات" محركات البواخر، فلا أحد يعرف كيف ستعمل هذه المكائن التي ينزوي بينها وهي متوقفة الآن، وما إن يتم تشغيلها عند مغادرة الميناء حتى يبدأ مشهد "إنتحاري" لضخامتها وسرعة دورانها، فما إن تلقف قطعة من قميص أو جسد ذلك الحالم بالخلاص إلاً وحولته إلى أشلاء بسرعة البرق. فكان أأمن مكان هو حاويات الوقود أو الزيت "البراميل"، فيقوم المقاول الذي تم الإتفاق معه بفتح أحد البراميل خلسة ليغطس فيه ذلك "الإنسان" فيُبقي رأسه فقط إلى خارج الزيت، وما إن يسمع أية حركة أو صوت فعليه أن يُغطس رأسه أيضاً ليكون جسمه بالكامل غاطساً داخل برميل الزيت أو الوقود، ويتنفس عن طريق ماسورة بلاستيكية "صوندة" تُحفظ في الجيب.، ويقوم بحساب الوقت الذي يمر عليه عن طريق التخمين وحركة الأمواج، فالظلام هو الذي يسود المكان ولا سبيل لمعرفة الليل من النهار. فإذا نجح في تخمينه وقدَر بالشكل الصحيح بأن السفينة قد أصبحت خارج المياه الإقليمية لإيران فإن إعادته عند إكتشافه أمر مستبعد تماماً، وأما إذا إكتُشف قبل ذلك فيعاد إلى الساحل وخاصة إذا لم تكن السفينة قد تحركت بعد.

لقد نجح البعض في محاولاتهم، ومنهم أحوازيون أيضاً، وفشل البعض، ومنهم من دفع حياته ثمناً لمحاولة الخلاص من كابوس دولة "الولي الفقيه"، والذين نجحوا في محاولاتهم كانوا يرسلون لنا صورهم وحكاياتهم من كندا وأمريكا وإيطاليا وغيرها، فكنا نغبطهم كثيراً، ونتمنى أن ننال مثلهم الخلاص. وأذكر من بين حكاياتهم التي أرسلوها لنا أن أحدهم عندما خرج من أحد البراميل على القبطان حيث السفينة في عرض البحر وهو كمومياء سوداء داكنة، فقد هال ذلك المشهد قبطان السفينة، وأخذوا يلتقطون له الصور وقال أحدهم: "أنا لا أستطيع أن أتصور ذلك الدافع الذي جعلك تقوم بهذه المجازفة!".

كنت يوماً من أيام السنة الأولى من وجودي في إيران في مدينة مشهد، والتي يسمونها "مشهد المقدسة" لوجود قبر الإمام علي بن موسى الرضى "رضي الله عنه"، فرأيت عربة بيضاء كبيرة "كرفان" مكتوب عليها "إهداء خون" أي التبرع بالدم، وأمامها أشخاص يرتدون "الصداري" البيضاء، فرأيتها "فرصة" للتبرع بشيء من دمي "للجمهورية"، فكانت المفاجأة أنهم لم يقبلوا مني التبرع بالدم بعد أن علموا بأنني "عراقي"، وبدت عليهم علامات السخرية وبعض كلمات التهكم، وأصروا على ذلك رغم إلحاحي السخيف، وقد علمت في ما بعد بأن الفرس الصفويون لا يريدون أن يختلط الدم العربي مع دمهم "الآري" الذي يعتبرونه مقدساً، وخاصة بهذه العشوائية التي ليس للشخص الذي يُنقل إليه الدم فيهاعلمٌ بمصدره أو موافقة على قبوله.!؟

يستخدم الإيرانيون عبارة "بسمه تعالى" بدل عبارة "بسم الله الرحمن الرحيم" والتي فرضوها على دوائر العراق الآن عن طريق عملائهم، وذلك إنطلاقاً من حقدهم على "الله" تعالى وبغضهم لهذا التعريف الذي يُعرَفه الإسلام بهذه الصفات وهذه التسمية، وهذا التعريف وهذه البسملة هي نفسها التي إستهل به النبي { صلى الله عليه وسلم} كتابه لكسرى، والذي مزقه دوناً عن بقية ملوك الأرض. ويبرر الفرس إستخدام هذه العبارة اليوم بإنهم يحرصون على (إحترام) عبارة البسملة الإسلامية فلا يذكرونها في الأوراق التي يتم تداولها في الدوائر العامة، ولكن الذي يدحظ هذا الإدعاء الكاذب هو أن الكثير من الكتب التي يستهلونها بكلمة "بسمه تعالى" فإنها تتظمن في كثير من الأحيان آيات من القرآن الكريم، على سبيل الإستدلال أو الإستشهاد!. كما أن الفرس تمكنوا من رفع هذه البسملة من إستهلال الحديث لدى أتباعهم ممن يُحسبون على المسلمين وإستبدلوها "بالصلاة على محمد وآل محمد"، وحتى هذه الصلاة فإنها مقرونة "بآل محمد" الذين جعلوهم حصراً بأبناء الإمام الحسين {رضي الله تعالى عنه وعنهم} من إبنة كسرى.

عندما يقول الصفويون "ظاهراً": "أللهم صلي على محمد وآل محمد" فإن الأصل عندهم هم "الآل من إبنة كسرى" فلا يصلَون على النبي وحده أبداً أبداً لأن ذلك يعتبر إقراراً منهم بتمام نبوته وكمال رسالته، والفرس الصفويون يعتبرون أن جُلَ رسالة النبي {صلى الله عليه وسلم} تتلخص في التبليغ عن إمامة علي {رضي الله عنه} والأئمة من إبنة كسرى من بعده. كما يوهمون أتباعهم ويتهمون عامة المسلمين بأنهم "لا يحبون آل البيت فلا يصلَون عليهم"، والذي يصلي على النبي وحده يسمَون صلاته بالصلاة البتراء.

لقد كنت أشعر كثيراً ومن خلال مارأيته من حقد الفرس على العرب والمسلمين وعلى الدين الإسلامي الحنيف بأنهم إنما يدعون إلى "آل بيت النار المقدسة" وليس إلى آل بيت النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} كما يزعمون.

وفي الوقت الذي يُعاقب أشد العقاب من يثبت أنه إمتهن أو أساء إلى صورة "الخامنئي" أو أي من أركان النظام الإيراني، فإنه تنتشر في إيران صورة لشخص عليه الكثير من الملامح الخنثية والخلاعة، [ينسبونها للنبي محمد {صلى الله عليه وسلم}]، وهذه الصورة تُمتهن بشكل كبير جداً في المناطق التي تكون فيها غالبية صفوية أو في المجتمعات التي يعم فيها الجهل وما أكثرها في إيران، وفي بعض الأحيان تجد هذه الصورة ملقاة على الشوارع أو في مجاري المياه الثقيلة.

كما أن هناك العديد من "البوسترات" التي تسيء من خلال تصميمها لمقدسات المسلمين، وأذكر منها صورة تمثل "نبي الله إيراهيم" {عليه السلام} مفتول العضلات وهو يهم بذبح إبنه إسماعيل {عليه السلام} وقد تم تصميمها بحيث يكون المشهد مصوَراً من أعلى قمة جبل فتبدو "الكعبة" في مكان بعيد في أسفل الصورة وقد جُعل الخنجر الذي بيد إبراهيم {عليه السلام} وهو يمس طرف الكعبة بتعمَد واضح وبشكل يبعث على الإستفزاز، ولكنه يعبر عن نظرة مجوسية وحقد صفوي على بيت الله الحرام، كما أن هناك من يعتقد بأن نبي الله إبراهيم {عليه السلام} لم يكن عربياً وإنما كان فارسياً، وفي إيران اليوم الكثير ممن يصرَحون بهذا القول علناَ.

لشيوع ما يسمونه "زواج المتعة" في إيران ما بين الصفويين وخاصة في مدن مشهد وقم وطهران، فقد ولَد ذلك الإختلاط الشاذ جيلاً من "اللُقطاء" يملأ الحدائق والأرصفة والمزارات وتعج به "مراكز التأهيل والرعاية" وخاصة في هذه المدن الثلاث التي يُعرف الكثير من سكانها بالإنحلال عن كل القيم والقوانين الإجتماعية والعلاقات السوية، كما أن ظاهرة "مثليي الجنس" في هذه المدن بشكل خاص مما يثير العجب، فلا يكاد يمر يوم في طهران "مثلاً" من دون أن تشاهد أحد هؤلاء "المثليين أو المخنثين" حيث يتميزون بمظهرهم الخارجي وميوعتهم وطريقة حديثهم، كما أن المجتمع قد إعتاد على وجودهم كجزء من تكوينة المجتمع هناك.

في مدينة "قم" التي يسمونها "قم المقدسة" أيضاً لوجود قبر ومزار كبير فيها يقولون أنه يعود لإحدى بنات الإمام موسى الكاظم {رضي الله عنهما} ويسمونها "معصومة" أو "معصومة قم" فإن في هذه المدينة المكتظة بالسكان ترى العجب العُجاب، إنها صورة متكاملة لمجتمع يدين بدين مختلف عن كل الأديان، فأما ظاهره فـ"ضريح مقدس" وعمائم بيضاء وسوداء وملوَنة، ومكتبات تضم كتباً لا حصر لها "يُقبل على شرائها الوافدون عادة" ومدارس دينية "معظم طلابها من الوافدين أيضاً" وأسواق وفنادق كثيرة ومكاتب للمعممين، ومحلات بيع حلوى "الساهون" التي تشتهر بها هذه المدينة. وأما قاع ذلك المجتمع الآسن، فإن أول ما يدور في ذهن من عرف عنه شيئاً "مهما كانت درجة ورعه" هو أن يتسائل: "لماذا لا يُطبق الله السماوات على الأرض؟!"، فمن مظاهر هذا المجتمع الغريب هو أن المعممين الذين يملؤون مركز المدينة بخاصة فإنهم حريصون على إستخدام الدراجات النارية "الموتورسيكل" في تنقلاتهم، وتركب معهم إلى الوراء "زوجاتهم" أو النساء اللاتي أتفقن معهم على ما تسمى بزيجات "المتعة". معمم يقود دراجة نارية وخلفة إمرأة تجلس على المقعد الخلفي هو أكثر المشاهد شيوعاً في مدينة قم "المقدسة".

الثقة معدومة بين الأفراد والعوائل، فلا يدع صاحب البيت ضيفه جالساً مع عائلته حتى وإن كان برفقة عائلته هو الإخر للحظة واحدة، فـ"غفلة" ثوان قد تتسبب في "عقد" زواج مؤقت ما بين الضيف وزوجة المضيف أو إحدى بناته أو بالعكس. ويُعرف "زواج المتعة" في قم وفي إيران عموماً بإسم "الصيغة" والذي يمثل "زواج المتعة" ولكنهم يستخدمون كلمة "صيغة" بدل كلمة "متعة".

"الحيلة الشرعية" هي حل لكل الإشكالات أو القضايا الشرعية أو الأخلاقية، فإذا أراد الصائم "مثلاً" أن يقطع (صيامه) في أي وقت أو أي يوم يشاء فما عليه إلاَ أن يفتعل سفراً ضمن (المسافة الشرعية) ثم يعود إلى مكانه ويأكل طعامه بالهناء والشفاء!. ولهذا فإن من أسباب إنعدام الثقة في المجتمع هناك هو معرفتهم بأن الطرف المقابل يحتفظ في نفسه لكل منقصة أو خيانة أو شائنة بحيلة شرعية تجعله يشعر بإنه في مأمن من مخالفة الدين أو الشريعة، وبأنه في مأمن مما توعد الله به من عقاب. فالزنا والربا وأكل مال اليتيم والكذب والغش والخداع وعدم حفظ الأمانة قد تمت "شرعنتها" في ذلك المجتمع المتهريء.

الربا قد تمت شرعنته بما يسمونه "الدين بالهدية" أي أنك إذا أردت أن تستدين مبلغاً معيناً من المال فعليك أن تدفع مبلغاً شرطياً آخر متفق عليه عند السداد يسمى "الهدية"، وكلما جاوزت موعد السداد فإن (الهدية) تزداد "شرطياً"، وكل ذلك يُثبَت على الورق وبحضورعدد من الشهود. والدين عادة يكون ما بين المعمم "الدائن" والإنسان البسيط "المستدين" وليس بين معمم ومعمم فإبليس لا يثق بإبليس، والنظرة السائدة لؤلائك الدائنين والتي يروج لها المعممون أنفسهم هي أنهم على حق في ما يفعلون، فلو أنهم وضعوا أموالهم تلك في البنوك طيلة بقائها عند المدستدين لإزدادت تلك الأموال بدل أن "يحبسها" ذلك المستدين عنده كل ذلك الوقت، فإن ذلك "إضرار" بصاحب المال "والله يأمر بالعدل والإحسان!". هكذا هو الدين عند أولائك القوم.

إن الشغل الشاغل للمعممين هناك بالإضافة إلى ممارسة الشهوات فهو العمل على تصدير فكر منحرف هداَم للمجتمعات العربية والإسلامية. إن في مدينة "قم" بالذات ماكينة ضخمة جداً تعمل ليل نهار على كيفية إفساد تلك الشعوب، ومما يؤسف له حقاً هو أن العرب لا يقدًرون ذلك الخطر الذي تصدَره إيران إلى بلدانهم، ولا يقومون بفعل ما هو مطلوب تجاه ذلك الخطر الذي يفتك بدينهم ومجتمعاتهم منذ قرون عديدة.
من خلال ما رأيته في تلك البلاد جعلني أؤمن يقيناً بأن مصير العرب والمسلمين منوط بدرجة وعيهم تجاهها وبكيفية التعامل مع ما تصدَره لهم إيران من وسائل الفتك والتدمير الذي يلحق بدينهم الذي يؤول إليه صلاح أمرهم بدنياهم وأُخراهم على السواء. وليس ما يحصل في العراق إلاً تجسيد بسيط لذلك الفعل الفارسي الصفوي اللئيم.
وللحديث بقية.







نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 03:43 PM   #8
مدير الموقع
 
الصورة الرمزية نايف عبدالله الركابي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2003
الدولة: الرياض
المشاركات: 15,366
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


الحلقة التاسعة

كنت قد وعدت في إحدى حلقات هذه السلسلة بإفراد حلقة خاصة عن معاناة أهل السنة والجماعة في إيران، ولا أخفي سراً عن مدى حيرتي في أي الوقائع أكتب وماذا يمكن أسرد ، فمقولة أن "خير الكلام ما قل ودل" تكون هنا في حالة من الشذوذ عن تلك القاعدة ليكون "خير الحديث ما كثر وتشعَب"، فمعاناة أهل السنة والجماعة في إيران قد لا تحيط بأبعادها كتب ولا مجلدات.
والسؤال المطروح.. لماذا يعامل الفرس الصفويون أهل السنة والجماعة في إيران بهذه القسوة والوحشية رغم أنهم ينتسبون مع الملايين منهم إلى نفس القومية الفارسية.! وتجمعهم الكثير من الروابط التي يُفترض أن تكون بينهم مدعاة للأخوة والمحبة، مثل روابط الوطن الواحد والدم واللغة والأرض والتقاليد وغيرها الكثير؟!، بينما يتمتع غيرهم من اليهود والنصارى بكامل الحريات والإمتيازات التي قد لا يجدونها في البلدان التي تدين بشكل رسمي بتلك الأديان والمعتقدات!.

ألا يكفي الإيمان بالله ورسوله {صلى الله عليه وسلم} كما يدعي الصفويون كفيلاً بأن يكون حائلاً أمام النيل من أُناس يؤمنون بذات الإله وذات الرسول ؟!، ألا يمكن أن يكون ذلك الإيمان وازعاً للحد من هذا الكم الهائل من الحقد والكراهية تجاه أهل السنة لدرجة تصل بكل بساطة إلى القتل والتمثيل وإستحلال الأموال والحرمات.!؟.

الحقيقة هي أن الفرس الصفويون يعتبرون أن أهل السنة والجماعة في إيران سواء كانوا من الفرس أو من غيرهم بأنهم يدينون بدين أعدائهم الذين هم العرب، ويوقَرون نبيهم {صلى الله عليه وسلم} والكتاب الذي أنزله الله عليه، ويودَون صحابته {رضي الله عنهم} ويتبعون هديه وسنته، ويحبون قادة المسلمين الذين نكأوا دولة الفرس وأطفأوا نارهم التي يعتبرونها "رمزاً لوجودهم القومي وديناً تتوق إليه نفوسهم ويجري في أرواحهم مجرى الدم في الشرايين والأوردة، فهم "أهل السنة والجماعة" يدينون بهذا الدين الذي حطم العرب من خلاله إمبراطوريتهم وأطفأوا نارهم وإلى الأبد.

إن صراع الفرس المجوس مع العرب هو صراع قومي بكل معنى الكلمة، وهم لا يعتبرون دخول الإسلام إلى بلادهم فتحاً من الله تعالى لهدايتهم إلى نور الإيمان وإنما يعتبرونه هزيمة منكرة لهم من قبل أمة العرب وعار عليهم كأمة فارسية وإلى الأبد.

ولمَا لم يكن بحال من الأحوال مواجهة هذه الهزيمة التي تعشعش في نفوسهم جيلاً بعد جيل ونظاماً بعد نظام بشعار "النار المقدسة"، أو تبنَي المنطلق القومي الفارسي الصرف تجاه العرب، والذي لا يمكن من خلاله إحداث ثغرة للولوج إلى جسد هذا الدين الذي إختصت السماء به العرب بحمل رسالته إلى سائر الأمم والشعوب. فكان لابد من طرق أخرى للمواجهة، فلم تجد العقلية المجوسية، مرغمة أوبإختيارها أفضل من محاربة الدين بالعمامة، بطريقة أقرب ما تكون إلى المعنى الذي يتضمنه البيت الشعري: "لكل شيء آفة من جنسه.. حتى الحديد سطى عليه المبردُ"، فكانت هذه الصفوية التي أتخذها الفرس محاولة لتحطيم الإسلام من داخله، ووسيلة في مواجهة العرب والمسلمين والثأر لهزيمتهم التأريخية.

وتتمحور منهجية الصفويين للنيل من الإسلام ما أمكنهم ذلك في عدة محاور، وأهم تلك المحاور هي:

أولاً: إبتداع مفهوم "الإمامة والولاية" بإعتبارها سر الإسلام الذي "تداوله الأئمة" وهم مُطاردون من قبل قادة المسلمين بحيث لم يُتح لهم الحكم به، ولا يزال هذا السر "الإسلام" خافياً مع "الإمام الثاني عشر"، وكل ذلك من أجل التعتيم على رسالة الإسلام وحصر دورها في التبليغ عن "الإمامة"، وبذلك يكون الإسلام قد نُفي تماماً من الوجود.

ثانياً: إختصار الإسلام كفكر وعقيدة ودين بواقعة كربلاء الشهيرة وإلقاء تبعاتها وجريرتها على صحابة رسول الله {صلى الله عليه وآله وصحبه} والذين إتبعوا سنته من بعدهم إلى يومنا هذا، وإختلاق فرية "المؤامرة" المزعومة على "الإمامة"، وكل ذلك للطعن في سنة النبي وصحابته الكرام {صلى الله عليه وعليهم أجمعين}.

ثالثاً: تبني مفهوم "المظلومية" لآل البيت للطعن والتشكيك في منهجية الإسلام بإعتبارها المسؤولة عن تلك "المظلوميات".

رابعاً: تحويل الإسلام من فكر وعقيدة إلى تجسيده وإختصاره في أشخاص من ذرية الإمام الحسين {رضي الله عنه} من إبنة كسرى "حصراً" وإختلاق شخصية وهمية "الإمام الغائب" بعروق فارسية كبديل عن نبوة محمد {صلى الله عليه وسلم} التي خرجت من رحم عربي.

خامساً: من خلال جعل الدين والعلم به حصراً في أولائك "الأئمة" فقد أوجد الفرس لأنفسهم هالة من القدسية "والمعرفة اللاهوتية" يإعتبارهم من نفس العرق الذي منه "إبنة كسرى"، وهكذا خرجت مسميات "آية الله وحجة الله وحجة الإسلام وثقة الإسلام" وغيرها الكثير، ليكون لمعممي الفرس الصفويون "إطار" زائف يمكنهم من خلاله العبث في نسيج الإسلام، ولكنهم في الحقيقة كالخفافيش التي لا تعيش سوى في الظلام، فلا يمكن للإفتراءات والخرافات أن تحيا في عقول واعية ومتعلمة، فحيثما يكون الجهل يكون المعممون، حيث لن يكون هنالك غير الذين لا يعرفون سوى عبارة "أللهم صل على محمد وآل محمد".

إن النتيجة التي وصل إليها الفرس في تغييب عقول البعض ممن يُحسبون على المسلمين ليست وليدة اليوم أو الساعة ولكنها نتيجة مكر ودهاء شديدين لقرون عديدة من الزمن، فهم يشتغلون على نار هادئة،رغم أن النار التي تصطلي في نفوسهم حنقاً على العرب والمسلمين لا يعلم أوارها إلا الله.

عندما قال الإمام علي {رضي الله عنه}: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته" فلا غرو أن الفقر الذي ذهب إليه الإمام هو ليس فقر المال والطعام فحسب، فالإنسان قد ميزه الله تعالى عن سائر المخلوقات بهذا العقل الذي يقول سبحانه في الحديث القدسي مخاطباً هذا العقل: {بك أعاقب وبك أُثيب}، فالذي يُزري ويحط من قدر الإنسان ويقرَبه إلى مرتبة البهائم ليس الفقر للطعام والشراب وإنما الفقر إلى العلم والمعرفة، فالأرزاق قد قدَرها الله تعالى لكل المخلوقات، جليلها وحقيرها، مؤمنها وكافرها، {وما من دابة في الأرض إلاَ على الله رزقها}، والرزق تطلبه ويطلبك "نهج البلاغة للإمام علي رضي الله عنه" ولكن العلم تطلبه ولا يطلبك، والشقي من رضي بالجهالة وأقفل على قلبه وعقله كل منافذ النور والعلم والمعرفة وأعار عقله لمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، دون أن يكون له رأي أو مراجعة مع الذات. أليس الجهل بالدين هو الذي يودي إلى جهنم وعذاب السعير؟.

كنت مرة أحضر "مناسبة دينية" في مدينة "مشهد" الإيرانية فدار حديث بيني وبين أحد الحضور، فكان مما تردد في الحديث "فضيلة حفظ أسماء الله الحسنى والعمل بها" وما إلى ذلك من مدعاة الأجر والثواب كما أخبر عن ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم}، فما كان من أحد الحاضرين إلا أن أخذ يعدد "أسماء الأئمة الإثني عشر" ويقف مشدداً بشيء من الإنفعال على كناهم كالصادق والباقر والرضا والعسكري والكاظم والجواد وغيرهم، فلفت إنتباهي إلى أن هذه الأسماء إنما وُضعت نكاية بأسماء الله الحسنى، الله....إله العرب.

كنا قد أتفقنا أنا وبعض الأصدقاء بعد أن ضاقت بنا السبل قد فكرنا في الهروب من إيران المجوس إلى دولة باكستان المجاورة إنطلاقاً من مدينة "زاهدان القريبة إلى الحدود، وهي محاولة من عدة محاولات بائت جميعها بالفشل، ولكن المنفعة التي أتت بها هي الإطلاع والمعرفة بواقع إيران بعيداً عن الإعلام المضلل. ورغم شدة القلق من تبعات فشل مثل هذه المحاولة إلاَ أننا قد شجعنا عليها قلة المال الذي طلبه أحدهم وقد إدعى بأنه يعرف أحد "المهربين" معرفة شخصية، وقد قيل لنا من بعض معارفه هناك بأنه مسافر ولا يعلمون متى يعود، فأصر البعض على الإنتظار بضعة أيام بعد أن قطعنا كل ذلك الطريق وأصابنا ما أصابنا من التعب والخوف والقلق لعلنا نبلغ الهدف من مجيئنا ونتمكن من الإفلات من هذا السجن الكبير الذي لا يعرف سجانوه شيئاً إسمه "الضمير أو العدل أو الرحمة أو الإنسانية".

. كان وصولنا إلى مدينة زاهدان "عاصمة إقليم بلوشستان" وقت العصر، والتي قيل لنا أننا سنعبر منها إلى مدينة "كويته" الباكستانية في الطرف الآخر من الحدود بعد أن قطع بنا الباص من مدينة طهران أكثر من نهارين وليلة "على ما أذكر" وكانت رحلة مليئة بالتعب والأرهاق والحر الشديد، كما أن "أوراقنا الشخصية "والتي يسمونها مدارك والواحد منها مدرك" ليس لها إعتبار كاف عند رجال الأمن ونقاط التفتيش، فكانت حيرتنا في كيفية العودة أكبر وأشد وقد أُضيفت لها بوادر خيبة الأمل،. ففكرنا أن نذهب إلى أحد "المساجد" وقت صلاة المغرب، وقد كنت في قرارة نفسي "وأعتقد أن الآخرين كذلك" أشعر بأن هدفنا من الذهاب إلى المسجد ليس خالصاً من أجل إقامة الصلاة وإنما للشعور بالإطمئنان والإحتماء قليلاً من تعرَض عشرات العساكر الذين يجوبون المدينة، والدعاء إلى الله تعالى أن يرجعنا سالمين.

قال أحدنا بأنه يعرف مسجداً أو مكاناً يصلي فيه الناس قريباً من حيث كنا واقفين وقد شارفت الشمس على المغيب، ويبدو أنه لم يكن يعرف إن كان المسجد لأهل السنة أم الشيعة أو أنه مسجداً أم حسينية، كما أننا لم يكن يهمنا إلاَ أن نجد مكاناً نتوارى فيه عن أنظار قوات الأمن الذين كأنهم في حالة إستنفار دائم، ويلوحون بهراواتهم "الإسلامية" وكأنها تبحث عن ضحية ليقيمون عليها "تمريناً" في كيفية "تطبيق الشريعة" على الطريقة الإيرانية.

دخلنا "المسجد" لحظة آذان الإقامة فكان المصلون كلهم : متكتفون" فأنزوينا في أحد أركانه، وتشاغلنا حتى يمضي بعض الوقت المفروض مخالفته مع وقت أهل السنَة. أخرجت "تربتي" من جيبي ووضعتها أمامي، ووضع بعضنا "ورقة" حتى يسجد عليها حيث لم تكن معه "تربة" حسب "تعاليم المذهب". كان يدور في ذهني لحظة أنهيت الصلاة سؤالٌ هو: لماذا لم يأخذنا صاحبنا إلى المسجد كما قال بدل أن يأتي بنا إلى هذه القاعة؟. تصورت أن المكان قاعة "وفَرتها" بلدية المدينة للوافدين والمسافرين والمنقطع بهم لينالوا شيئاً من الراحة أو تناول الطعام أو يقيمون الصلاة أو شيء من هذا القبيل، وأعتقدت أن الصدفة وحدها هي التي جمعت هؤلاء المصلين ليقيموا صلاة الجماعة بهذا العدد الكبير، فليس في هذه البناية أي معلم يدل على أنها مسجداً، فحتى المحراب قد رُسم رسماً على شكل قوس، ولا يوجد على الجدران أي ذكر لأسماء الصحابة {رضي الله عنهم} كما هو معروف في مساجد أهل السنة، كما لم تكن فيه الصور أو الأسماء والعبارات التي توجد عادة في "الحسينيات" بل لم تكن لهذا "المسجد" مئذنة!؟
نعم.. إنه مسجد بلا مئذنة!، ورجال الأمن من "البسيج والباسدران" وغيرهم حريصون على أن يتجمعون أمام مساجد السنة ومصلَياتهم في كل صلاة من أجل الإستفزاز وتعكير الجو الإيماني على المصلين أو إعتقال أحدهم بشكل عشوائي لزرع الخوف في قلوبهم وإرهابهم.!؟

وقفت أمام عيني من دون إستحظار مني صورة الورقة النقدية الإيرانية من فئة خمسمئة ريال حيث رُسمت فيها صورة "لصلاة جمعة طهران" ، حيث يقف في الصورة رجال "متكتفون" من أهل السنة إلى جانب (إخوانهم) من الشيعة، وتذكرت عندما كنا في العراق أيام الحرب وقد حصل أخي على مثل هذه الورقة النقدية [500 ريال] في إحدى جبهات القتال، فكنا نعتبرها إحدى "مظاهر الجمهورية" التي لحست عقولنا بماكينتها الإعلامية وساعدها الخواء المعرفي بحقيقة الفرس، والنشأة التي تربينا عليها في إطار "المذهب" رغم أن الإعلام العراقي قد إجتهد كثيراً في التعريف بحقيقة الفرس ولكن ذلك كان ضمن المجال الإعلامي الذي تفرضه متطلبات إحراز النصر على العدو، ولكنه لم يكن قبل ذلك بأدنى مستوى مطلوب والعراق والعرب والمسلمون جميعاً أمام هذا الخطر المستدام وهو بهذا الحجم وهذا المستوى من تهديد أمن ومستقبل الأمة، فكانت قضية فلسطين "على أهميتها" تأخذ الحيز الأكبر في توجيه الجماهير إلى معرفة خطر الصهاينة بينما لم تُعط للخطر الداهم من جهة الشرق حتى نسبة الواحد إلى العشرة من التركيز على "الغرب والإمبريالية"، تماماً مثل ما يحصل الآن في كل الدول العربية والإسلامية، بينما لم يُحدث الخطر الغربي والصهيوني "على كبره" ما يساوي واحد إلى عشرة مما أحدثه ويحدثه الخطر الفارسي المجوسي في كيان الأمة العربية والإسلامية، ولا يفتأ يهدد وجودها وكيانها على الدوام.

عود على حكايتنا في مدينة "زاهدان" فما أن خرجنا من "المسجد" حتى دلفنا إلى أقرب فندق، وكانت معاملة صاحب الفندق مما لا تُنسى من حيث الأخلاق والكرم وحسن الضيافة، وبخاصة عندما علم بأننا غرباء ومن مدينة "الأحواز".
وفي أول الصباح التالي فقد خطرت لأحدنا فكرة أن نستبدل ملابسنا بملابس تشبه ملابس السكان حتى نبدو كغيرنا من المواطنين، كانت أزياء المدينة تشبه الأزياء الهندية أو الباكستانية إلى حد بعيد، وكم أشعرتنا تلك الملابس بالإرتياح عندما رأينا أن الأعين لم تعد تلتفت إلينا كثيراً حيث كنا بالقمصان والسراويل.

تشجعنا أن ندور قليلاً خارج مركز المدينة لتمضية الوقت علَنا نقابل آخر النهار ذلك الشخص الذي سيقوم بتهريبنا إلى باكستان، فكنا كلما نبتعد عن مركز "زاهدان" فقد كنت أشعر بأننا نقترب شيئاً فشيئاً إلى العصر الحجري أو العصر الطيني.

لقد ساورني شعور فطري، بعيداً عن إستحضار آيات الوعيد بأن الإنسان لابد أن يُحاسب على ظلمه من لدن خالق هذا الوجود، فمعاناة الناس هناك وطريقة معيشتهم من أشد ما عانته المجتمعات البشرية حسب ما يحدَثنا التأريخ، فيال شقاء أولائك الناس االبائسين، شيوخاً وعجائز، أطفال وصبيان، وهم يقطنون في بيوت تشبه المغارات، يبنونها بأيديهم من كتل الأحجار والطين ويسقفونها بألواح الأشجار أو قطع الصفيح، وهم بتلك الأسمال البالية والشعور الشعثاء المغبرة والأسنان التي أكلها السوس. العديد من الأطفال من هم دون سن العاشرة يكَدون ويكدحون وهم يمتهنون مهناً لا توجد إلاَ في أشد الدول فقراَ، ولكنها تعتبر مهناً تقليدية في ذلك الإقليم كصباغة الأحذية حيث يحمل الصبيان عدَتهم على أكتافهم أو يبيعون السكائر في صناديق يحملونها أمام صدورهم، ومنهم من لم يستطع أن "يتاجر" إلاَ في علبة دخان واحدة يدور بها في الشوارع ويبيعها "بالمفرق" على المارَة ليكسب من ورائها بضعة تومانات. والبعض راح يحمل سطلاً "جردلاً" وقطعة قماش ليقوم بمسح الزجاج الأمامي لبعض الدكاين أو السيارات، والبعض راح يبحث في أماكن رمي النفايات عن مواد بلاستيكية أو معدنية حيث هناك من يشتريها ويبيعها إلى معامل تعيد تصنيعها من جديد.

إن هذه الصورة هي أبسط مثال لحال أهل السنة في إيران في المحافظات التي يشكلون الإغلبية فيها، ولا يختلف الحال في المحافظات التي يشكلون فيها أقلية من حيث الجور والظلم والتمييز والإظطهاد.

لقد كنت أعتقد في السنوات الأولى في إيران بأن أهل السنة والجماعة لا يشكَلون هناك سوى بضع مئات أو آلاف من السكان، فليس لهم صوت حتى في المناطق التي يشكلون فيها الأغلبية، وقد فوجئت بحقيقة أنهم يشكلون نسبة 30 % من مجموع السكان، كما أن الفرس كقومية لا يشكلون أكثر من 40% من عموم سكان إيران، ومع ذلك فليس من أهل السنَة أي أحد يشغل منصباً ذو شأن في جمهورية الملالي "كمجلس الخبراء" أو "مجلس صيانة الدستور" أو الوزارات أو المؤسسات أو المديريات حتى في المناطق ذات الأغلبية السنية، ومنعهم من تلك المناصب يكون وفق "قوانين الجمهورية" ومثبت في "الدستور".
حتى الأذان لا يُسمح برفعه في مناطقهم عبر الإذاعات بصوت سني، كما أنهم "السنة" ليست لهم إذاعة أو قناة تلفزيونية مستقلة، وليست لهم مؤسسات ثقافية أو مطابع أو دور للنشر، وليست لهم حتى مجلة أو صحيفة، والكتب التي تأتيهم من خارج إيران فإنها تخظع لمراجعة لجنة خاصة في ما تسمى "وزارة الإرشاد الإسلامي". ومن الكتب ما يُعاقب من تكون في حوزته، ويُمنع تداولها منعاً باتاً وخاصة كتب إبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب {يرحمهما الله}.

كما أن الإعدامات بحق علماء وعامة أهل السنة في إيران مستمرة وبشكل منظم، والتهم التي تُوجه إليهم جاهزة، وأبسطها ما يسمونها "الحرابة".

إن الذين أطلقوا تسمية "الوهابية" بين أتباعهم في العالم العربي والإسلامي هم الفرس الصفويون، وهم الذين قرنوا في عقولهم وأذهانهم مرادفات من المعاني والمشاعر السيئة لكل ما يمت للإسلام الحنيف بصلة، فمفردات السنة، السلف، الصحابة، أمهات المؤمنين، الخلفاء، أمراء المؤمنين، الصحاح، الفتوحات، الرواة، المبشَرون، فإنها يقابلها في أذهانهم ونفوسهم المريضة أقبح المعاني وأسوأ الصور.

أتذكر أنه كانت تقام في طهران كل سنة "مسابقة القرآن الكريم" تنظمها ما تسمى "وزارة الثقافة والإرشاد" ويدعون إليها العديد من القرَاء السنة من مختلف الأقطار العربية والإسلامية وخاصة من مصر، ولكنهم يمنعون في الوقت نفسه منعاً باتاً أي متسابق من أهل السنة في إيران للمشاركة. ولقد حضرت مرة إحدى هذه المسابقات حيث كان يحضرها كل سنة المقريء المعروف أبو العينين الشعيشع، وقد كان الصخب والتهكَم من قبل الحضور يزداد عندما يقرأ غير الإيرانيين، فيصيحون بطريقة قبيحة ويرددون كلمة {الله} التي تُقال عاد على سبيل الإستحسان، ولكنهم يرددونها وراء كل كلمة وحرف ينطقه المقريء وبطريقة خالية من التأدب والحشمة والوقار، ويمكن مشاهدتها على موقع "اليوتيوب" في الحفلات التي كانت تُقام في طهران وخاصة للمقريء "أبو العينين الشعيشع"، بينما يسود الهدوء عندما يقرأ الإيرانيون، و"يحسَنون" لهم بمنتهى "الأدب" والتوقير والإحترام.

إن الأيرانيين الصفويين يتعلمون تجويد القرآن ليس حباً به ولكن لمظاهات العرب والتفاضل عليهم، ولو لم يكن الأمر كذلك لسمحوا للقرَاء السنة بالظهور وفيهم قرَاء مجيدون بكل معنى الكلمة. وأذكر أنه كان يشيع تسجيل صوتي يتم فيه إذاعة "مقطع" من آية بصوت المقريء العربي المصري المرحوم عبد الباسط عبد الصمد و"مقطع" بصوت طفل إيراني من الصفويين بحيث تكون القراءة بشكل متناوب.

بحسب ما يزرع الصفويون في نفوس أتباعهم كل ما من شأنه الحط من قدر الرسول وصحابته {صلى الله عليه وآله وصحبه وسلَم} فإنهم ينسبون "على سبيل المثال" قولاً للإمام الحسين {رضي الله عنه} بأنه يقول بأن أصحابه "أفضل" من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}، "وذلك ليس حبَاً بالحسين وأصحابه {رضي الله عنه وعنهم} بل بغضاً بالنبي وأصحابه {صلى الله عليه وآله وصحبه}، وبعيداً عن البحث في مدلولات إستخدام كلمة "الأصحاب" مع الحسين {رضي الله عنه}، فأليس من دواعي هذا (الحب) لأصحاب الحسين أن يسمَي الفرس وخاصة في طهران بإعتبارها عاصمة (الجمهورية الإسلامية) زقاقاً أو ساحة أو شارعاً أو مدرسة أو مؤسسة بإسم أحدهم كنوع من التخليد لذكراهم، فيكون مثلاً شارع حبيب بن مظاهر أو ساحة الحر الرياحي أو مستشفى زهير بن القين؟.

أليس من مظاهر (الحب) لهم أن يُنصب تمثال لواحد منهم كما تُنصب عشرات التماثيل لشخصيات فارسية من التأريخ الإيراني كتمثال إبن سينا والشاعر الفردوسي والشاعر مولوي وغيرهم، علماً هنالك فتوى من الخامنئي تجيز إقامة التماثيل.

كلا لا يفعلون مثل هذا مادام ليس فيه ما يُحدث فتنة أو يلقي شبهة أو يُحدث إساءة للإسلام وطعناً في مقدسات المسلمين.

ومع كل ذلك فقد أوجد الفرس الصفويون من يسبح بحمدهم ممن يُحسبون على العرب، وينصرونهم على أبناء وطنهم، وهم مستعدون أن يقتلون أبناء وطنهم وإخوتهم في الدم ويمثلون بهم بمجرد فتوى بسيطة من معمم فارسي أو "مرجع" من مراجع الفرس، وليس الذي جرى ويجري في العراق والبحرين ببعيد.
وللحديث بقية.

المصدر: المرابط العراقي







نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
نايف عبدالله الركابي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 04:00 PM   #9
نائب رئيس منتديات عنزة
 
الصورة الرمزية تركي الغبيني
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: حائل
المشاركات: 45,409
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

حسبنا الله ونعم الوكيل

بارك الله فيك عمدتنا الفاضل

أبو عبدالله








نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
تركي الغبيني غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25-03-2011, 05:50 PM   #10
كاتب وباحث
 
الصورة الرمزية أسعد الحمدان
 
تاريخ التسجيل: Sep 2005
المشاركات: 10,130
رد: إلى كل الشهداء الذين طالتهم يد الغدر الفارسية

حسبنا الله ونعم الوكيل

بارك الله فيك


أبو عبدالله






نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
أسعد الحمدان غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:22 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
المقالات تعبر عن رأي كاتبها ولاتعبر عن رأي إدارة المنتدى - منتدى عنزة الرسمي